صرخة من خلف الباب الأسود

صرخة من خلف الباب الأسود
لم يكن "سليم" يؤمن بالخرافات يومًا. كان يرى أن كل ما يُقال عن الجن والأرواح مجرد قصص يختلقها الناس ليبرروا خوفهم من المجهول. في كل مرة كان يسمع فيها حكاية عن المنزل المهجور في نهاية الطريق، كان يبتسم بسخرية ويهز رأسه وكأن الأمر لا يستحق التفكير.
لكن في تلك الليلة، قرر أن يُنهي الجدل بنفسه.
كان القمر مكتملًا، يضيء الطريق الترابي المؤدي إلى المنزل. الأشجار على الجانبين كانت ساكنة بشكل مريب، وكأنها تراقبه بصمت. كل خطوة كان يخطوها كانت تقربه من ذلك المكان الذي تجنبه الجميع لسنوات طويلة.
وقف أمام المنزل أخيرًا.
بدا أكثر سوءًا مما تخيل. النوافذ مكسورة، والباب متآكل، والجدران تحمل آثار الزمن وكأنها تروي قصة لم تُحكَ بعد. أخذ نفسًا عميقًا، ثم دفع الباب ببطء.
صرير الباب اخترق الصمت كصرخة حادة.
في الداخل، كان الهواء باردًا بشكل غير طبيعي. شعر سليم بقشعريرة تسري في جسده، لكنه أقنع نفسه أن الأمر مجرد وهم. أخرج هاتفه وأضاء الكشاف، وبدأ يتقدم بحذر.
الجدران كانت مغطاة بخطوط ورسومات غريبة، لم يفهم معناها. بعضها بدا كأنه كُتب بيد مرتجفة، والبعض الآخر بدا وكأنه نُقش بقوة وعنف. الأرضية كانت تصدر أصواتًا خافتة مع كل خطوة، وكأن المنزل يتنفس.
ثم لاحظ شيئًا في نهاية الممر.
باب.
لكنه لم يكن كباقي الأبواب.
كان أسود بالكامل، بلا أي تفاصيل، وكأنه فراغ مطلق. لم يكن هناك مقبض، ولا حتى إطار واضح. مجرد شكل مظلم يبتلع الضوء من حوله.
شعر سليم بانجذاب غريب نحوه.
حاول أن يقاوم، أن يبتعد، لكنه لم يستطع. كأن شيئًا داخله يدفعه للأمام. اقترب خطوة… ثم أخرى.
وعندما مد يده ولمس سطح الباب…
سمعها.
"افتح…"
تجمد مكانه.
نظر خلفه بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.
عاد الصوت، هذه المرة أقرب، وكأنه يهمس داخل أذنه:
"لقد تأخرت…"
بدأ قلبه يخفق بسرعة. حاول سحب يده، لكنه لم ينجح. شعر وكأن الباب يمسك به، لا العكس.
وفجأة…
انفتح الباب.
لم يصدر أي صوت، لكن الظلام الذي خلفه كان حيًا. لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كان شيئًا يتحرك، يتنفس، ويراقب.
خرج هواء بارد جدًا، يحمل معه همسات غير مفهومة.
ثم سمع بكاء.
بكاء خافت… لكنه مليء بالألم.
تراجع سليم خطوة، لكن قدمه لم تتحرك كما أراد. نظر داخل الظلام، فرأى ظلالًا تتحرك ببطء، تتشكل كأشخاص، ثم تتلاشى.
وفجأة…
خرجت يد.
يد بشرية، لكنها مشوهة بشكل مرعب. أصابعها طويلة ومنحنية، وكأنها كُسرت وأُعيد تشكيلها.
أمسكت بذراعه بقوة.
صرخ سليم، لكنه لم يسمع صوته.
حاول المقاومة، لكن جسده لم يعد يطيعه. بدأت اليد تسحبه ببطء نحو الداخل، بينما ظهرت أيدٍ أخرى من الظلام.
وقبل أن يُسحب بالكامل، نظر إلى الباب…
ورأى انعكاسه.
لكن لم يكن وحده.
كان هناك شيء خلفه… يبتسم.
ابتسامة واسعة… غير إنسانية.
ثم اختفى.
في صباح اليوم التالي، مر أحد سكان القرية بجانب المنزل. توقف فجأة، وكأنه سمع شيئًا.
صوت خافت…
صرخة.
قادمة من خلف الباب الأسود.