image about همسات خلف الجدار

 




همسات خلف الجدار


لم يكن “آدم” من النوع الذي يخاف بسهولة. طوال حياته كان يسخر من قصص الأشباح، ويعتبرها مجرد خيال صنعه البشر ليهربوا من واقعهم. لكن كل شيء تغيّر في الليلة التي انتقل فيها إلى ذلك المنزل القديم في أطراف المدينة.

المنزل كان رخيصًا بشكل يثير الشك، لكن حالته المادية لم تسمح له بالتدقيق كثيرًا. الجدران متشققة، والأرضية تصدر أصواتًا خفيفة مع كل خطوة، وكأنها تشتكي من ثقل الزمن. في أول ليلة، حاول آدم أن يتجاهل كل هذه التفاصيل ونام بسرعة من شدة الإرهاق.

لكن في منتصف الليل، استيقظ على صوت غريب.

همسات.

في البداية ظن أنها من الشارع، لكن الصوت كان قريبًا جدًا… أقرب مما ينبغي. جلس في سريره محاولًا التركيز. الصوت كان يأتي من الجدار بجانب سريره مباشرة. اقترب بحذر، ووضع أذنه على الحائط.

“...لا تفتح…”

تراجع فجأة وقلبه ينبض بسرعة. حاول أن يقنع نفسه أنه يتوهم، ربما صوت الرياح أو أحد الجيران. لكنه في الليلة التالية، عاد الصوت مرة أخرى… أوضح هذه المرة.

“...احذر…”

بدأ الخوف يتسلل إليه تدريجيًا. لم يعد ينام بسهولة، وصار يقضي وقته في مراقبة الجدار، وكأنه ينتظر شيئًا سيخرج منه. ومع كل ليلة، كانت الهمسات تصبح أكثر وضوحًا… وأكثر إلحاحًا.

قرر آدم أن يبحث عن تفسير. سأل الجيران عن تاريخ المنزل، لكنهم كانوا يتجنبون الحديث، وكأنهم يعرفون شيئًا لا يريدون قوله. أحدهم فقط تمتم بجملة قصيرة: “اللي قبلك ماكملش شهر.”

عاد آدم إلى المنزل وقلبه مثقل بالقلق. في تلك الليلة، لم ينتظر حتى يسمع الهمسات… بل بادر هو. اقترب من الجدار وضربه بقبضته.

“مين هناك؟!”

ساد الصمت لثوانٍ، ثم جاء الرد… لكن هذه المرة لم يكن مجرد همس.

“...أخيرًا سمعتنا…”

تجمد مكانه. الصوت لم يكن واحدًا، بل عدة أصوات متداخلة، وكأنها صادرة من أكثر من شخص.

“...إحنا محبوسين… جوه…”

بدأت يده ترتعش، لكنه شعر بدافع غريب يدفعه لمعرفة الحقيقة. أحضر مطرقة وبدأ يضرب الجدار. كل ضربة كانت تكشف طبقة من الغبار والدهان القديم، حتى ظهرت فجوة صغيرة.

ومن داخل الظلام… خرجت يد.

لم تكن يدًا طبيعية، بل باهتة بشكل مخيف، وكأنها لم ترَ الضوء منذ سنوات. سقطت المطرقة من يده، وتراجع للخلف وهو يحدق في ما يراه.

“...ساعدنا…”

تردد للحظة… ثم اقترب ببطء. مد يده ليمسك بتلك اليد… لكن في اللحظة التي لمسها، شدته بقوة مفاجئة نحو الجدار.

صرخ، لكنه لم يجد من ينقذه.

وفي صباح اليوم التالي، كان المنزل هادئًا كعادته.

جاء مالك العقار ليتفقد المكان، بعد أن لاحظ اختفاء آدم. دخل الغرفة، ونظر حوله بلا اهتمام، ثم اقترب من الجدار المتصدع.

مرر يده عليه بهدوء، وهمس:

“واحد جديد… كويس.”

ومن داخل الجدار… بدأت الهمسات من جديد.