مشروع الظلام الأبدي: نهضة الجثث(الفصل الثاني)

الفصل الثاني: العدوى تنتشر
في شقة قديمة في أحد أحياء القاهرة المزدحمة، كان الليل قد فرض سكونه الثقيل على كل شيء، إلا ضجيج المراوح القديمة وصوت السيارات البعيد. جلس “محمود” أمام حاسوبه، عيناه نصف مغلقتين من الإرهاق، يتصفح بلا تركيز.
وفجأة…
طنين إشعار.
ظهر رقم غير مسجل.
فتح الرسالة ببطء، وكأن شيئًا داخله كان يخبره أن هذه اللحظة ستغير كل شيء.
قرأ:
"إذا وصلتك هذه الرسالة... لا تذهب إلى الجبال الشرقية.
مشروع الزومبي نجح.
هم قادمون."
توقف الزمن لثوانٍ.
أنفاسه أصبحت ثقيلة.
همس بصوت مرتجف:
“أحمد…؟”
ضغط على زر الاتصال فورًا.
لا رد.
أعاد المحاولة.
مرة… واثنتين… وثلاث.
لا شيء.
لكن ما لفت انتباهه لم يكن الرسالة فقط…
بل الإحداثيات المرفقة.
فتح الخريطة، وبدأت النقطة الحمراء تومض في عمق الصحراء، داخل جبال البحر الأحمر.
مكان بعيد…
معزول…
مخيف.
ابتلع ريقه.
“إيه اللي عملته يا أحمد…؟”

إشارة لا تشبه البشر
في نفس الوقت، وعلى بعد مئات الكيلومترات، داخل غرفة تحكم تابعة لإحدى هيئات الاتصالات، كان المهندس “طارق” يراقب تدفق البيانات المعتاد.
كل شيء كان طبيعيًا…
حتى ظهرت إشارة.
غريبة.
متقطعة…
لكنها منتظمة بشكل غير مفهوم.
اقترب من الشاشة.
“إيه ده…؟”
الإشارة لم تكن كأي إشارة رقمية.
لم تكن بيانات إنترنت… ولا بث لاسلكي.
كانت أقرب إلى…
موجات دماغية.
بدأت الشاشة تعرض نمطًا متكررًا، يشبه نبضًا حيًا.
زميله سأله:
“في مشكلة؟”
رد طارق ببطء:
“دي مش إشارة جاية من جهاز… دي… كأنها جاية من عقل.”
قبل أن يكمل—
انطفأت الأنوار بالكامل.
ظلام دامس.
ثم…
صوت همس.
ليس من جهاز.
بل…
حولهم.

بين الحياة والموت
في عمق الصحراء، حيث الرياح تعوي بين الصخور، كان جسد أحمد لا يزال ملقى على الأرض.
السماء فوقه مليئة بالنجوم.
صامتة.
باردة.
لكن جسده…
لم يكن ميتًا تمامًا.
أصابعه تحركت.
ببطء.
عيناه ارتجفتا…
ثم انفتحتا.
لكن لم يكن هناك بريق حياة فيهما.
ولا موت.
شيء بين الاثنين.
نفس عميق خرج من صدره، كأنه أول نفس لطفل يولد…
أو آخر نفس لإنسان يحتضر.
ثم…
ابتسم.

أصوات داخل الرأس
لم يكن أحمد يسمع العالم حوله.
كان يسمع شيئًا آخر.
أصوات…
كثيرة…
متداخلة…
تتحدث في وقت واحد.
“نراه…”
“نشعر به…”
“هو البوابة…”
“ننمو…”
أحمد حاول أن يصرخ.
لكن صوته لم يخرج.
جسده بدأ يتحرك ببطء، كأن شيئًا يتعلم استخدامه لأول مرة.
وقف على قدميه…
بصعوبة.
ثم رفع رأسه نحو الأفق.
كأنه يعرف الطريق…
بدون أن يراه.

بداية الانتشار
في صباح اليوم التالي، انتشر خبر صغير على أحد المواقع الإخبارية المحلية:
“حادث غامض على طريق السويس – رجل يهاجم المارة بطريقة عنيفة قبل أن يتم نقله إلى المستشفى.”
الخبر لم يكن ملفتًا.
حادث عادي.
أو هكذا بدا.
لكن محمود…
لم يره عاديًا.
قرأ الخبر أكثر من مرة.
ثم نظر إلى رسالة أحمد.
ثم إلى الخريطة.
كل شيء بدأ يترابط.
“مش صدفة… مستحيل تكون صدفة.”
لبس ملابسه بسرعة.
قرر يروح بنفسه.

المستشفى
المستشفى كانت شبه هادئة.
لكن الهدوء كان غريبًا.
ثقيلًا.
غير مريح.
محمود دخل وهو يحاول يبدو طبيعيًا.
سأل عن المصاب من حادث الطريق.
أحد الممرضين أشار له:
“العناية المركزة… أوضة 12.”
مشى في الممر.
كل خطوة كانت أبطأ من اللي قبلها.
صوت حذائه على الأرض كان عالي بشكل مزعج.
وصل للغرفة.
وقف.
بص من خلال الزجاج.
وتجمد.
الرجل كان مقيدًا بالكامل.
أحزمة على يديه ورجليه وصدره.
جسده يرتعش بشكل عنيف.
غير طبيعي.
كأنه…
يقاوم شيئًا من الداخل.

اللحظة
فجأة—
توقف الارتعاش.
سكون.
تام.
محمود قرب أكتر من الزجاج.
في اللحظة دي—
فتح الرجل عينيه.
بيضاء بالكامل.
بدون أي بؤبؤ.
محمود اتراجع خطوة.
القلب بيدق بعنف.
الأجهزة بدأت تصدر صوت إنذار.
دخل الأطباء بسرعة.
أحدهم قال:
“ثبتوه كويس!”
الرجل بدأ يصدر أصوات.
لكن مش كلام.
همسات.
متكررة.
“جوع…”
“جوع…”
“جوع…”

التحول
فجأة—
كل شيء سكت.
الأجهزة توقفت.
أحد الأطباء اقترب.
حط إيده على رقبة الرجل.
“مفيش نبض… مات.”
لحظة صمت.
الجميع وقف.
ثم—
الرجل جلس فجأة.
بسرعة غير بشرية.
الأحزمة شدت…
لكن بدأت تتمزق.
كأنها ورق.
العيون البيضاء اتجهت مباشرة نحو أقرب طبيب.
وانقض عليه.

الفوضى
الصراخ ملأ المكان.
الدماء تناثرت.
الممرضون حاولوا يهربوا.
الباب اتقفل تلقائي.
لكن…
متأخر.
العدوى بدأت.
محمود كان واقف في مكانه.
مش قادر يتحرك.
عقله رافض يستوعب.
ثم…
صوت داخلي صرخ فيه:
“اهرب!”
لف وجري.

الخروج
وهو بيجري في الممر…
سمع أصوات وراه.
سريعة.
قريبة.
قريبة جدًا.
بص وراه—
واحد منهم كان بيجري.
مش بيمشي.
بيجري.
عينه عليه.

الهروب
محمود جري بكل قوته.
وصل للسلم.
نزل درجات بسرعة.
كاد يقع أكتر من مرة.
وصل للباب الرئيسي.
فتح.
خرج.
الهوا ضرب في وشه.
لكن الإحساس بالأمان…
ماجاش.

الربط
في نفس اللحظة…
في الصحراء…
كان أحمد واقف على تلة صغيرة.
ينظر نحو الأفق.
لكن عينيه…
لم تكن ترى المنظر.
كانت ترى…
أبعد.
أعمق.
ابتسم.
نفس الابتسامة.

الوعي
داخل شيء غير مرئي…
غير مفهوم…
كان هناك اتصال.
كلهم مرتبطين.
كل المصابين.
كل “الأحياء”.
ليسوا أفراد.
بل…
شيء واحد.
وعي واحد.
ينتشر.
يتعلم.
يتطور.

النهاية
في القاهرة…
بدأت الحالات تتكرر.
حادث هنا.
هجوم هناك.
ناس بتقول:
“عيونه كانت بيضا…”
“كان بيجري بسرعة غريبة…”
“مات… وقام تاني…”
والسلطات…
بدأت تلاحظ.
لكن…
متأخر.
وفي مكان ما…
داخل هذا الوعي…
ظهر إدراك جديد.
اسم.
صورة.
شخص.
محمود.
وهمس الصوت:
“اقترب…”
“الباب الثاني…”
“سيُفتح…”
نهاية الفصل الثاني 🔥