همسات المرآة العتيقة

لم يكن "سليم" يؤمن بالأساطير أو البيوت المسكونة، كان رجلاً عقلانياً يعمل كمهندس معماري، يقدّر الزوايا والخطوط والواقع الملموس. لهذا السبب، عندما ورث قصر جده النائي في قرية ريفية مهجورة، لم يتردد في الانتقال إليه لتمضية بضعة أشهر من الهدوء بعيداً عن ضجيج المدينة. كان القصر تحفة معمارية من العصر الفيكتوري، لكنه كان يفيض برائحة الغبار والزمن المنسي.
في الطابق العلوي، وتحديداً في غرفة النوم الرئيسية، كانت تقبع مرآة ضخمة ذات إطار برونزي منحوت بأشكال غريبة تشبه كائنات أسطورية تلتف حول بعضها. كانت تلك المرآة هي الشيء الوحيد في البيت الذي بدا "جديداً" رغم قدمه؛ فزجاجها كان نقياً لدرجة مرعبة، وكأنها نافذة مفتوحة على عالم آخر وليست مجرد سطح عاكس.
في الليلة الأولى، وبينما كان سليم يستعد للنوم، لمح شيئاً غريباً في المرآة. لم تكن صورته هي المشكلة، بل الخلفية. في الانعكاس، بدا الباب الذي خلفه مفتوحاً قليلاً، بينما كان في الواقع مغلقاً بإحكام. التفت سليم بسرعة نحو الباب، فوجده مغلقاً كما تركه. هز رأسه ضاحكاً من تعبه وظن أن الإضاءة الخافتة هي السبب.
لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد. في الليلة التالية، استيقظ سليم في الثالثة فجراً على صوت همس خافت يشبه احتكاك الورق. كان المصدر هو المرآة. اقترب منها بحذر، وكلما اقترب زاد شعوره بالبرودة. عندما نظر إلى وجهه في المرآة، تجمدت الدماء في عروقه. لم يكن انعكاسه يرمش معه. كان "سليم" الذي في المرآة ينظر إليه بابتسامة عريضة غير طبيعية، ابتسامة تمتد لتكشف عن أسنان حادة لم يمتلكها سليم يوماً.
حاول سليم التراجع، لكن قدميه كانتا ملتصقتين بالأرض. بدأ الانعكاس يرفع يده ببطء نحو سطح الزجاج من الداخل. ومع كل لمسة، كان الزجاج يتموج كأنه ماء. سمع سليم صوتاً يأتي من أعماق المرآة، صوتاً يشبه صوته تماماً لكنه مليء بالحقد: “لقد انتظرتك طويلاً يا سليم.. القصر ليس بيتك، إنه قفصي.. وأنت مفتاحي.”
فجأة، خفتت الأضواء حتى تلاشت تماماً، وساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت تحطم رقيق يشبه انقسام البلور. شعر سليم بدوار شديد، وكأن الجاذبية قد تغير اتجاهها. عندما استعاد توازنه وفتح عينيه، وجد نفسه يقف في مكان غريب؛ كانت الغرفة هي نفسها، لكن كل شيء فيها بدا مقلوباً، والضوء كان باهتاً بظلال رمادية باهتة.
نظر سليم أمامه، ليرى المرآة مرة أخرى، لكنه هذه المرة كان ينظر إليها من "الداخل". رأى نسخته الأخرى تقف في الغرفة الحقيقية، تتفحص المكان بهدوء وبرود لم يعهده سليم في نفسه. حاول سليم أن يصرخ، أن يضرب السطح الزجاجي الفاصل بينهما، لكن يده لم تلمس سوى فراغ بارد لا ينتهي، وصوته لم يتجاوز حدود عقله.
بدأ "سليم الآخر" في التحرك داخل الغرفة، يلمس الكتب والأشياء وكأنه يكتشف ملكية جديدة. التفت نحو المرآة، ونظر مباشرة إلى عيني سليم الحقيقي الحبيس، لكن نظراته لم تكن تحمل أي تعاطف. بدلاً من ذلك، قام بوضع يده على الإطار البرونزي العتيق، وبدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة، مما جعل سطح المرآة يتحول من الحالة السائلة إلى حالة صلبة ومعتمة تدريجياً.
مع مرور الوقت، بدأ الانعكاس يتلاشى بالنسبة لسليم، وأصبحت الرؤية نحو الغرفة الحقيقية تضيق وتظلم، حتى لم يعد يرى سوى سواد دامس. في تلك اللحظة، أدرك سليم أن القصر لم يكن مجرد بناء من حجر، بل كان فخاً صُمم بدقة لاصطياد أولئك الذين يثقون في واقعهم أكثر من اللازم.
تقول الأساطير المحلية في تلك القرية، إن القصر ظل مهجوراً لسنوات طويلة بعد ذلك، لكن المارين بجانبه في الليالي المقمرة يقسمون أنهم يسمعون أصواتاً خافتة تأتي من الطابق العلوي، كأنها نداءات بعيدة تطلب المساعدة، وأن أي شخص يجرؤ على النظر في المرآة العتيقة قد يرى، للحظة خاطفة، وجهاً مألوفاً يراقب من خلف الزجاج المعتم، ينتظر بصمت من يحل