حين لا يكون انعكاسك لك
حين لا يكون انعكاسك لك
لم يكن يوسف من النوع الذي يخاف بسهولة. نشأ في المدينة، معتادًا على الضوضاء والناس، لكن انتقاله إلى بيت جده القديم في قرية شبه مهجورة غيّر كل شيء. منذ اللحظة الأولى، كان هناك إحساس ثقيل في المكان، كأن الهواء نفسه يحمل ذكرى سيئة.
البيت كان مليئًا بالأثاث القديم، وصور باهتة لأشخاص لا يعرفهم. لكن أكثر ما أزعجه كان الصمت. صمت عميق، غير طبيعي… صمت يجعلك تسمع دقات قلبك وكأنها ليست لك.
في الليلة الأولى، استيقظ يوسف على صوت خافت. لم يكن واضحًا… أشبه بحكٍ خفيف على الخشب. ظن أنها فئران، لكنه حين جلس في سريره، توقف الصوت فجأة. وكأن شيئًا ما أدرك أنه استيقظ.
في اليوم التالي، بدأ يستكشف المكان. وعند نهاية ممر ضيق، وجد الباب. باب خشبي قديم، عليه خدوش عميقة كأن أحدهم حاول كسره… أو الخروج منه. كان مغلقًا بسلسلة صدئة، لكنها لم تكن الشيء المخيف. ما أخافه حقًا… كان وجود آثار داكنة حول المقبض، كأن أحدهم أمسكه بيد مبتلة بشيء لم يعد موجودًا.
حين سأل أحد كبار القرية، ارتبك الرجل وقال:
“الغرفة دي… اتقفلت بعد ما جدك سابها. محدش بيقرب منها. اللي كان فيها… ما خرجش.”
لم يجب الرجل على المزيد من الأسئلة، وتركه ومشى.
في تلك الليلة، لم يستطع يوسف التوقف عن التفكير في الباب. الفضول بدأ يتحول إلى هوس. مع كل ساعة تمر، كان يشعر أن هناك شيئًا في الداخل… ينتظر.
في اليوم الثالث، لم يحتمل. كسر السلسلة ودفع الباب.
بمجرد أن فتحه، انخفضت درجة الحرارة بشكل مفاجئ. أنفاسه أصبحت مرئية، وكأن الشتاء دخل الغرفة فجأة. الرائحة كانت خانقة… رطوبة وعفن، لكن أيضًا… شيء آخر، شيء معدني غريب.
الغرفة كانت شبه فارغة، إلا من مرآة ضخمة مثبتة على الحائط. إطارها أسود، مزخرف بنقوش غريبة لا تبدو مألوفة.
اقترب منها.
في البداية، كان كل شيء طبيعيًا. انعكاسه يقف أمامه، متعب، عينيه غائرتان قليلًا. لكنه لاحظ شيئًا بسيطًا… ظلّه في المرآة لم يتحرك مع الضوء كما يجب.
رفع يده.
انعكاسه تأخر… نصف ثانية فقط.
تراجع خطوة. قلبه بدأ ينبض بسرعة.
“ده وهم…” قالها بصوت مسموع.
اقترب مرة أخرى.
“حرك إيدك…” همس لنفسه.
رفع يده بسرعة.
انعكاسه… لم يرفعها.
ظل ثابتًا… ينظر إليه.
ثم، ببطء شديد… رفع يده، لكن بحركة مختلفة… أبطأ… غير طبيعية.
شعر يوسف ببرودة تجمد أطرافه.
“إنت… إيه؟”
انعكاسه ابتسم.
ابتسامة واسعة… أوسع مما يستطيع أي إنسان فعله.
ثم بدأ يطرق… من الداخل.
طرق… طرق… طرق.
الصوت لم يكن يأتي من المرآة فقط… بل من داخل رأسه. كل ضربة كانت كأنها تضرب جمجمته من الداخل.
صرخ يوسف واندفع للخارج، أغلق الباب بقوة، لكنه قبل أن يغلقه تمامًا، رأى شيئًا…
يدًا.
ليست يده.
يد شاحبة، طويلة… تخرج من سطح المرآة ببطء، كأنها تخترق الماء.
أغلق الباب وسقط أرضًا، يلهث.
في تلك الليلة، لم ينم.
ظل جالسًا في غرفته، ينظر إلى المرآة الصغيرة أمامه، يخاف أن يراها… لكنه لا يستطيع التوقف عن النظر.
عند منتصف الليل، سمع الصوت.
طرق.
لكن هذه المرة… من داخل غرفته.
التفت ببطء نحو المرآة.
انعكاسه… لم يكن جالسًا.
كان واقفًا خلفه.
قريب جدًا.
يراقبه.
ثم انحنى… حتى أصبح وجهه بجانب أذن يوسف.
ورغم أن يوسف لم يتحرك… سمع الهمس.
“دلوقتي… دوري أخرج.”
انطفأت الأنوار فجأة.
وفي الظلام، لم يعد هناك فرق بينه… وبين ما في المرآة.