صرخات من الجانب الآخر: ليلة في قبو "المتاريه" المهجور

صرخات من الجانب الآخر: ليلة في قبو "المتاريه" المهجور
توقف نبض الزمان فجأة حين وطأت قدمي تلك العتبة المتهالكة. لم تكن مجرد رحلة استكشافية، بل كانت تحديًا لم أكن أدرك عواقبه. يقع ذلك البيت القديم في أطراف المدينة، تحيط به هالة من الغموض والقصص التي يتداولها الجيران في همس، قصص تتحدث عن أضواء تشتعل وتنطفئ وحدها، وصرخات مكتومة تأتي من الأعماق.
بدأت الرحلة بضوء كشافي الضعيف الذي كان يصارع الظلام الدامس. الرطوبة في المكان كانت خانقة، ورائحة العطن والورق القديم تملأ الأجواء. نزلت السلالم الخشبية التي كانت تئن تحت وطأة قدمي وكأنها تحذرني من المضي قدمًا. عندما وصلت إلى القبو، شعرت بانخفاض مفاجئ في درجة الحرارة، وكأنني دخلت ثلاجة موتى.
هناك، في زاوية الغرفة، وجدته: مرآة قديمة مغطاة بقطعة قماش سوداء. الفضول كان أقوى من الخوف، سحبت الغطاء ببطء. لم أرَ انعكاسي فورًا، بل رأيت خلفي في المرآة خيالًا لرجل طويل يرتدي ملابس تعود لقرن مضى، يحدق بي بعينين فارغتين تمامًا. التفتُ بسرعة خلفي.. لم يكن هناك أحد!
عدت للنظر إلى المرآة، وكان الخيال قد اقترب أكثر، وهمس بكلمة واحدة تردد صداها في أذني كأزيز الرصاص: "ارحل". لم تكن الكلمة مجرد صوت، بل كانت ضغطًا ملموسًا على صدري. بدأت الجدران تنضح بسائل أسود يشبه الحبر، وصور العائلة المعلقة على الحائط بدأت وجوهها تتغير، الأفواه اتسعت في صرخات صامتة، والعيون بدأت تتبع حركتي. حاولت الركض باتجاه السلم، لكن الباب في الأعلى أغلق بقوة وكأن يداً خفية دفعته.
في تلك اللحظة، أدركت أن القبو ليس مجرد مكان، بل هو كيان حي يتغذى على الخوف. بدأت الأصوات تزداد حدة؛ همسات بلغات غير مفهومة، وخدوش على الأرضية الخشبية خلفي مباشرة. شعرت بأنفاس باردة على رقبتي، وكأن الموت نفسه يقف خلفي تمامًا. استجمعت كل قوتي واندفعت نحو الباب، محاولاً فتحه بكل طاقتي بينما كانت الظلال تلتف حول قدمي محاولةً سحبي للأسفل. وبأعجوبة، انكسر القفل وخرجت إلى ضوء القمر وأنا ألهث، وقلبي يكاد يقفز من صدري.
نظرت خلفي للمرة الأخيرة، فرأيت ذلك الرجل الواقف خلف المرآة يلوح لي من النافذة العلوية، بابتسامة مرعبة لم تكن بشرية أبدًا. هذه القصة ليست مجرد نسج خيال، بل هي دعوة لكل من يظن أن عالمنا هو العالم الوحيد الموجود. هناك أبواب لا يجب أن تُفتح، وهناك قصص يفضل أن تبقى مدفونة تحت التراب، لأن ما ينتظرنا في الظلام.. قد لا يتركنا نعود أبدًا. ومنذ ذلك الحين، كلما نظرتُ في أي مرآة، أرى ذلك الرجل يقف خلفي.. يبتسم وينتظرني.لم تكن تلك النهاية، بل كانت البداية للغنة طاردتني حتى في أحلامي. صرت أسمع صرير السلالم في غرفتي، وأشم رائحة العطن تفوح من ثيابي دون سبب. الرعب الحقيقي ليس فيما رأيته هناك، بل في يقيني أن ذلك الكيان لم يتركني أرحل وحيداً، إنه الآن يتنفس خلف أذني، ويتحين اللحظة المناسبة ليستردني.