النداء المجهول - الحلقة (1): الشفرة اللعينة
النداء المجهول - الحلقة (1): الشفرة اللعينة
رسالة مجهولة تقلب حياة ياسين إلى كابوس، وعد تنازلي يقوده لسر قديم مدفون في شقة مهجورة.. هل ينجو قبل فوات الأوان؟
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً، والهدوء يلف غرفتي ككفن ثقيل. كنت مستلقياً أحاول إقناع عقلي بالنوم، لكن الصمت كان يضج بأفكار مشوشة. فجأة، انبعث من هاتفي صوت إشعار لم أسمعه من قبل؛ لم تكن نغمة هادئة، بل كانت صرخة رقمية مشوشة جعلت قلبي يقفز من مكانه. التقطت الهاتف ببرود يسري في أطرافي، لتتحول ملامحي إلى ذهول تام. الرسالة كانت من مرسل بلا رقم، بلا هوية، فقط مساحة فارغة مخيفة، ومحتواها يقول: "لقد تركتُ الباب موارباً في (34 شارع الرعب).. العداد بدأ الآن، والماضي لا يحب الانتظار".
تسمرت في مكاني، شعرت وكأن الغرفة بدأت تضيق من حولي. هذا العنوان ليس مجرد أرقام، إنه وكر كوابيسي القديمة؛ شقة جدي التي أُغلقت بالشمع الأحمر منذ عشرين عاماً بعد ليلة انتحاره التي لم يجد لها أحد تفسيراً. وقبل أن أستجمع شتات نفسي، ظهر على الشاشة مؤقت زمني باللون الأحمر القاني يبدأ بالعد التنازلي من 60 دقيقة. حاولت إغلاق الهاتف، ضغطت على زر الطاقة بهستيريا، لكن الشاشة تجمدت وصارت تنضح بسائل أسود لزج يشبه الحبر المرّ، بدأ يتسرب من الحواف ليلطخ يدي ببرودة غريبة.
لم أدرِ كيف وجدت نفسي أرتدي ملابسي وأندفع خارج المنزل. كانت الشوارع خالية تماماً، وكأن العالم قرر الاختباء من شيء ما. وصلت إلى البناية القديمة، كانت تقف هناك كجثة هامدة تتوسط الحي. صعدت الدرج الخشبي الذي كان يئن تحت قدمي مع كل خطوة، والبرودة تزداد بشكل غير طبيعي حتى بدأت أرى بخار أنفاسي يتصاعد أمامي في الهواء المظلم. وصلت إلى الطابق الرابع، الشقة رقم 4.. كان الباب مفتوحاً بضعة سنتيمترات، والظلام بالداخل يبدو أكثف من أي ظلام عرفته.
بمجرد أن خطوت داخل العتبة، ارتطم الباب خلفي بقوة مرعبة هزت جدران الشقة، وكأن يداً خفية غاضبة صفعته. ساد صمت مطبق، ثم بدأت لمبة سقف قديمة ومكسورة تومض بضوء أصفر متقطع، يكشف عن أثاث مغطى بالأتربة كأنه جثث مكفنة. في منتصف الصالة، كانت هناك طاولة خشبية عتيقة، وعليها أوراق مكتوبة بخط يدي أعرفه جيداً.. خط جدي. كانت الأوراق تتوهج بلون أزرق باهت، وما جمد الدماء في عروقي هو أن إحداها كانت تطفو في الهواء على مستوى عيني مباشرة، وكأن كائناً غير مرئي يقرأها معي.
اقتربت ببطء، وعيناي غارقتان في الدموع من شدة التوتر، وقرأت الكلمات المكتوبة بحبر يبدو وكأنه لا يزال رطباً: "يا ياسين، الهاتف ليس وسيلة اتصال.. إنه الطُعم الذي ابتلعته. لا تنظر إلى الوراء، بل انظر إلى شاشتك الآن". أخرجت هاتفي بيد ترتجف كعصفور يحتضر، كان المؤقت قد وصل إلى الثواني الأخيرة: 3.. 2.. 1.. 0.
مع وصوله للصفر، انطفأت الشاشة تماماً، وفي انعكاسها الأسود، لم أرَ ملامحي المذعورة.. رأى وجه جدي الشاحب بملامحه المشوهة يقف خلفي مباشرة، يده النحيلة الباردة بدأت تلتف حول عنقي. حاولت الصراخ، لكن صوتي كان قد فارقني. وفي اللحظة التي التفت فيها لأواجه المصير، انطفأت اللمبة تماماً، ليغرق كل شيء في صمت أبدي.
في الصباح، وجد حارس البناية الهاتف ملقى أمام الباب المغلق بإحكام. وحين لمسه بفضول، أضاءت الشاشة برسالة جديدة موجهة لاسم جديد: "لقد دخل الصياد إلى القفص.. الدور على من يقرأ الآن".
هل انتهت قصة ياسين داخل تلك الغرفة المظلمة؟ ومن هو الشخص الذي سيستلم الرسالة القادمة من هاتف ياسين المفقود؟.. انتظروا الحلقة القادمة من (النداء المجهول) لتعرفوا السر الذي أخفاه الجد لسنوات
