“جوع الوينديغو الأبدي”
في ليلة شتوية قاسية، كانت السماء ملبدة بالغيوم، والثلج يتساقط ببطء كأنه يغطي العالم بستار من الصمت. الرياح كانت تعوي بين الأشجار، تصدر أصواتًا تشبه الهمسات، وكأن الغابة نفسها تتحدث بلغة لا يفهمها البشر.

في تلك الليلة، وقف “آدم” أمام مدخل غابة “بلاك هوك”، ينظر إلى الظلام الممتد أمامه. كان في السابعة عشرة من عمره، شغوفًا بالمغامرات، لا يخاف من المجهول… أو هكذا كان يعتقد.
سمع كثيرًا عن هذه الغابة. قصص اختفاء، أصوات غريبة، وحكاية قديمة تتكرر دائمًا:
“جوع الوينديغو لا ينتهي.”
كان الناس يقولون إن الوينديغو ليس مجرد وحش… بل لعنة. من يدخله الجوع داخل هذه الغابة، قد لا يخرج كما كان.
ابتسم آدم بسخرية خفيفة، وضبط حقيبته على ظهره.
“أساطير”، تمتم، ثم دخل.
في البداية، كان كل شيء طبيعيًا. الثلج تحت قدميه يصدر صوتًا خافتًا، أنفاسه تظهر في الهواء البارد، والمصباح اليدوي يقطع الظلام أمامه. لكن مع مرور الوقت، بدأ يشعر بشيء غريب.
الغابة أصبحت أكثر صمتًا.
لا طيور… لا حيوانات… لا شيء.
حتى الرياح خفتت.
توقف فجأة، ونظر حوله.
“غريب…”
ثم سمع الصوت.
“آد…م…”
تجمد في مكانه.
الصوت كان خافتًا جدًا، كأنه يأتي من مسافة بعيدة… أو من داخل رأسه.
“مين؟!” صرخ، لكن صوته بدا ضعيفًا، وكأن الغابة ابتلعته.
لا رد.
أكمل السير، لكن خطواته أصبحت أسرع، ونظراته تتحرك في كل اتجاه.
ثم جاء الصوت مرة أخرى.
“أنا… جائع…”
هذه المرة، كان أوضح.
أسرع.
تحول مشيه إلى جري، قلبه ينبض بعنف. لم يعد يفكر في المغامرة أو الفضول، فقط أراد الخروج.
لكن الغابة لم تكن كما دخلها.
الأشجار بدت وكأنها تتحرك، تتقارب، تغلق الطريق. المسار الذي سار فيه اختفى تمامًا. الظلام أصبح أكثر كثافة، كأنه حي.
وبينما كان يجري، لمح شيئًا.

كوخ.
قديم، متهالك، يقف بين الأشجار كأنه جزء منها.
تردد… ثم دخل.
داخل الكوخ، كان الظلام أثقل. استخدم مصباحه، فكشف عن جدران مليئة بخدوش عميقة. الأرض كانت مغطاة بأشياء متناثرة… وبعضها كان عظامًا.
ركع قليلًا، وأمسك قطعة.
كانت… بشرية.

تراجع بسرعة، قلبه يكاد ينفجر.
“لا… لازم أطلع من هنا…”
لكن قبل أن يتحرك، سمع صوتًا خلفه.
“أنا… جائع…”
استدار ببطء.
وهنا رآه.

كان أطول من أي إنسان، جسده هزيل بشكل مرعب، جلده رمادي مشدود على عظام بارزة. عيناه غائرتان، لكنهما تلمعان بشيء مخيف… جوع لا نهاية له.
فمه كان مفتوحًا قليلًا، وأسنان حادة غير طبيعية تملأه.
الوينديغو.
لم يتحرك آدم.
لم يستطع.
الكائن اقترب خطوة.
ثم أخرى.
“أنت… تشعر به…”
صوته لم يكن مسموعًا… بل محسوسًا.
داخل رأسه.
“الجوع…”
ارتجف آدم.
“أنا… مش جعان…”
لكن معدته بدأت تؤلمه.
ببطء.
ثم بشدة.
تراجع خطوة، واضعًا يده على بطنه.
“أنا… فعلاً… جعان؟”
كان الإحساس غريبًا. ليس جوعًا عاديًا، بل فراغ… كأن شيئًا يلتهمه من الداخل.
ابتسم الكائن.
“كل… أكثر…”

فجأة، اندفع آدم نحو الباب وخرج، يجري بأقصى سرعة.
لكن هذه المرة، لم يكن يهرب فقط من الخوف…
بل من نفسه.
الجوع كان يزداد.
كل ثانية.
كل نفس.
رأى شجرة، فتخيلها طعامًا.
رأى الثلج، فكاد يأكله.

ثم رأى شيئًا يتحرك.
غزال صغير.
توقف.
عيناه اتسعتا.
الجوع داخله صرخ.
“كُل…”
بدأ يقترب ببطء.
يده ترتجف.
“أنا مش كده… أنا مش كده…”
لكن صوته كان ضعيفًا.
أضعف من الجوع.
قفز فجأة.
…
في الصباح، مرّ أحد الصيادين بالقرب من الغابة.
لاحظ آثار أقدام… غريبة.
ليست لحيوان.
وليست لإنسان بالكامل.
تبعها بحذر، حتى وصل إلى نفس الكوخ.
دخل ببطء.
“في حد هنا؟”
لا رد.
لكن الرائحة كانت كافية.
رائحة موت.
ثم سمع صوتًا.
خافت.
“أنا… جائع…”
تجمد.
استدار ببطء.
وكان هناك… شيء.
يقف في الظل.
عيناه تلمعان.
لكنهما لم تكونا غريبتين بالكامل…
كان فيهما شيء… بشري.
بقايا آدم.
فتح فمه ببطء.
“ساعدني…”
خطوة للأمام.
“أنا… جائع…”
ثم ابتسم.
ابتسامة لم تعد إنسانية.
في الخارج، استمرت الثلوج في السقوط، تغطي كل شيء.
تغطي الآثار.
تغطي الحقيقة.
لكن داخل الغابة…
الجوع لم ينتهِ.
ولن ينتهي أبدًا.
