العفريت اللي طلب شاي”: الليلة الأكثر غرابة في قهوة عم عبده

العفريت اللي طلب شاي”: الليلة الأكثر غرابة في قهوة عم عبده
في حي شعبي قديم مليء بالمقاهي الصغيرة وأصوات الباعة وروائح الشاي بالنعناع، كان هناك مقهى بسيط يُعرف باسم “قهوة عم عبده”. القهوة لم تكن مشهورة بفخامتها أو ديكورها، بل بسبب الشخصيات الغريبة التي تجلس فيها يوميًا. كل طاولة هناك كانت تحمل قصة، وكل كرسي شهد خناقة أو نكتة أو نقاشًا عن كرة القدم ينتهي غالبًا بكوباية شاي مقلوبة على الأرض.
عم عبده، صاحب القهوة، رجل خمسيني يضع دائمًا منشفة على كتفه ويتعامل مع كل مشاكل الحارة وكأنه رئيس الوزراء شخصيًا. إذا تعطل موتور المياه، يذهبون له. إذا اختفى القط الخاص بالحارة، يذهبون له. وإذا تشاجر اثنان بسبب مباراة، يتدخل هو بحكمة غريبة تنتهي غالبًا بجملة: “سيبكوا من الهبل واشربوا شاي.”
في ليلة شتوية هادئة، كانت القهوة شبه فارغة بسبب المطر الشديد. لم يتبقَّ سوى ثلاثة رجال يلعبون الطاولة، وشاب نائم على الكرسي منذ العصر ولا أحد يعرف هل هو زبون أم مجرد إنسان قرر الاستسلام للحياة داخل القهوة.
بينما كان عم عبده ينظف الطاولات، انفتح باب القهوة فجأة بقوة، ودخل رجل غريب يرتدي بدلة سوداء قديمة ونظارة دائرية، رغم أن الوقت كان بعد منتصف الليل والمطر يغرق الشوارع.
الرجل جلس بهدوء وقال بصوت منخفض: “عايز شاي تقيل… ومن غير سكر.”
نظر له عم عبده باستغراب وقال: “حاضر يا باشا.”
لكن الغريب في الأمر أن الرجل لم يرمش تقريبًا، وكان ينظر حوله بطريقة مخيفة قليلًا. حتى لاعبو الطاولة توقفوا عن اللعب للحظة.
بعد دقائق، أخذ الرجل رشفة من الشاي ثم قال: “هو هنا لسه بييجي؟”
عم عبده سأل: “مين؟”
الرجل رد بهدوء: “اللي كان بيقعد على الترابيزة دي سنة 1987.”
ساد الصمت فجأة.
أحد لاعبي الطاولة ضحك وقال: “إيه يا عم الحج؟ ده احنا بالعافية فاكرين أكل امبارح.”
لكن الرجل تجاهله تمامًا.
الغريب أن عم عبده بدأ يتوتر فعلًا، لأنه تذكر أن هناك رجلًا قديمًا كان يجلس فعلًا على نفس الطاولة منذ عشرات السنين، واختفى فجأة في ظروف غامضة. طبعًا أهل الحارة حوّلوا الموضوع لقصة رعب شعبية، لأن المصريين عندهم قدرة أسطورية على تحويل أي موقف غامض لمسلسل جن وعفاريت في أقل من دقيقتين.
وفجأة، انطفأت أنوار القهوة بالكامل.
صرخ أحدهم: “يا نهار إسود!”
ورد الآخر: “حاسب يا ابني رجلي!”
ثم سمعوا صوت عم عبده يقول: “اللي لمس علبة السجاير هرميه بره!”
بعد ثوانٍ عادت الكهرباء، لكن المفاجأة أن الرجل الغريب اختفى تمامًا.
الكرسي فارغ.
كوب الشاي موجود.
والباب مغلق.
الناس بدأت تنظر لبعضها بخوف، بينما قال لاعب الطاولة النحيف: “أنا قلتلكم دي ليلة مش طبيعية.”
لكن المفاجأة الأكبر حدثت عندما وجدوا ورقة تحت الكوب مكتوبًا عليها: “الشاي ناقص نعناع.”
هنا انفجر عم عبده غضبًا: “يعني يخضّنا كل ده وفي الآخر ناقد مشروبات؟!”
بدأ الجميع يضحك بشكل هستيري، وتحولت أجواء الرعب إلى فوضى كوميدية. أحدهم أقسم أن الرجل كان عفريتًا، وآخر قال إنه نصاب محترف، بينما أصر عم عبده أن المشكلة الحقيقية ليست في اختفاء الرجل، بل في أن أحدًا لم يدفع حساب الشاي.
في اليوم التالي انتشرت القصة في الحارة كلها. كل شخص أضاف تفاصيل من خياله. واحد قال إن الرجل كان يطير، والثاني قال إنه اختفى وسط دخان أزرق، والثالث أقسم أنه سمعه يهمس بكلمات لاتينية. مع أن الحقيقة الوحيدة المؤكدة أن عم عبده خسر خمسة جنيهات ثمن الشاي، ودي بالنسبة له جريمة حرب كاملة.
بعد عدة أيام، عاد كل شيء لطبيعته… تقريبًا.
لكن في ليلة أخرى، دخل طفل صغير إلى القهوة وقال: “عمو عبده، الراجل اللي لابس أسود بره بيقولك المرة دي الشاي يبقى بسكر.”
سقط كوب الشاي من يد عم عبده مباشرة.
أما الرجال الموجودون بالقهوة، فهرب اثنان منهم فورًا، بينما اختبأ الثالث خلف الثلاجة وكأنه داخل فيلم أكشن أمريكي رخيص.
خرج عم عبده بحذر إلى الشارع… لكنه لم يجد أحدًا.
فقط ورقة صغيرة ملتصقة على الباب مكتوب عليها: “المرة اللي فاتت كنت مستعجل.”
هنا بدأ عم عبده يشك فعلًا أن الموضوع ليس مقلبًا عاديًا.
قرر في الليلة التالية أن يراقب القهوة بنفسه. أحضر إبريق شاي كبيرًا، وجلس وحده ينتظر. الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، والشارع أصبح هادئًا بشكل مخيف.
ثم… انفتح الباب ببطء.
دخل الرجل الغريب مجددًا.
جلس في نفس المكان وقال: “النهارده الشاي مظبوط.”
عم عبده، بدلًا من الخوف، انفجر فيه: “إنت مين يا عم؟ وعايز مني إيه؟”
الرجل ابتسم لأول مرة وقال: “أنا كنت زبون قديم هنا… بس مت من زمان.”
صمت عم عبده لثوانٍ… ثم قال: “طب طالما ميت… هتدفع إمتى الحساب القديم؟”
حتى الرجل نفسه اتفاجئ من الرد.
ثم انفجر ضاحكًا بطريقة غريبة، واختفى مرة أخرى.
لكن منذ تلك الليلة، أصبحت القهوة مشهورة جدًا. الناس بدأت تأتي فقط لسماع قصة “العفريت اللي بيشرب شاي”. بعضهم كان يطلب الجلوس على نفس الطاولة، وآخرون يلتقطون صورًا، بينما عم عبده استغل الموضوع أسوأ استغلال ممكن.
علّق لافتة كبيرة أمام القهوة مكتوبًا عليها: “أول قهوة في الشرق الأوسط معتمدة من الجن.”
بل وأصبح لديه “شاي العفريت الخاص”، وهو في الحقيقة نفس الشاي العادي لكن بسعر مضاعف. الرأسمالية يا دودو، حتى الكائنات الخارقة مش هتعرف تهرب منها.
مرت الشهور، وتحولت القصة إلى أسطورة صغيرة داخل الحي. البعض يصدقها، والبعض يضحك منها، لكن الجميع اتفق على شيء واحد: أن قهوة عم عبده لم تعد مجرد قهوة عادية.
وفي إحدى الليالي، بينما كان عم عبده يغلق القهوة، وجد ورقة جديدة على الطاولة نفسها.
فتحها ببطء…
وكان مكتوبًا فيها: “بالمناسبة… الحساب المرة دي على اللي نايم من العصر.”
نظر عم عبده ناحية الشاب النائم على الكرسي، فوجده ما زال نائمًا بنفس الوضع منذ أيام تقريبًا.
اقترب منه وهزه بعنف: “قوم يا ابني! حتى العفاريت اشتكت منك!”
لكن الشاب فتح عينيه وقال بهدوء: “هات شاي… ومن غير سكر.”
وسقطت صينية الشاي من يد عم عبده للمرة الثانية. لأن الإنسان ممكن يستحمل أي حاجة… إلا إن المقلب يطلع مستمر بجزء تاني.