صدى الغرفة المنسية: الشقه الملعونه

صدى الغرفة المنسية الشقه الملعونه
تدور الأحداث حول "مراد"، وهو مهندس شاب ينتقل
لم يكن "مراد" يؤمن بالخرافات أو حكايات البيوت المسكونة التي يتداولها الناس في المقاهي الشعبية، كان كل ما يشغله هو العثور على شقة رخيصة تناسب ميزانيته المحدودة كمهندس شاب في بداية طريقه المهني. عندما عثر على تلك الشقة الواسعة في بناية قديمة تعود لثلاثينيات القرن الماضي في قلب وسط المدينة، شعر وكأنه عثر على كنز ثمين لا يعوض. لم يهتم بنظرات حارس البناء القلقة والمليئة بالغموض، ولا بتحذيراته المبطنة والخافتة حول ضرورة ترك الأمور على حالها وعدم العبث بزوايا البيت، واعتبرها مجرد محاولات بائسة لزيادة قيمة الإيجار أو إخفاء عيوب في الصيانة وافق عليها مراد على الفور دون تردد.
انتقل مراد إلى الشقة الجديدة، وفي الأيام الأولى كانت الأجواء هادئة بشكل مريب يبعث على الراحة والريبة في آن واحد داخل جدرانها السميكة. لكن، مع نهاية الأسبوع الأول، بدأ يلاحظ شيئاً غريباً ومثيراً للقلق في نهاية الممر الطويل المظلم المؤدي للمطبخ. كان هناك جدار إسمنتي يبدو حديث البناء مقارنة ببقية جدران الشقة العتيقة والمتهالكة، وكأنه بُني على عجل شديد لإخفاء باب أو ممر سري ما. في إحدى الليالي الباردة، وبينما كان الهدوء القاتل يعم أرجاء المكان، استيقظ مراد فجأة على صوت خدش خفيف ومتواصل يأتي من خلف ذلك الجدار مباشرة، وهو صوت غريب يشبه تماماً أظافر بشرية حادة تحاول حفر الإسمنت بقوة ويأس.
ظن في البداية أنها مجرد فئران أو قوارض تسللت عبر الأنابيب القديمة، لكن الصوت كان يتكرر بشكل مرعب كل ليلة في تمام الساعة الثالثة فجراً، ويتحول تدريجياً مع الوقت إلى ما يشبه الهمس البكائي الخافت لامرأة تستغيث. تملكه الفضول القاتل ولم يعد قادراً على النوم أو التركيز في عمله اليومي بسبب التفكير المستمر في ماهية هذا الصوت. في صباح اليوم التالي، أحضر مطرقة حديدية ثقيلة وقرر هدم هذا الجدار اللعين لكشف السر الذي يخفيه وراءه. مع كل ضربة مطرقة قوية، كان يشعر ببرودة صقيعية غريبة تنبعث من الشقوق الضيقة، حتى انهار الجدار أخيراً كاشفاً عن باب خشبي أسود قديم تفوح منه رائحة العفن والرطوبة القاتلة.
فتح مراد الباب ببطء شديد وهو يحبس أنفاسه من شدة التوتر، ليجد غرفة صغيرة مظلمة تماماً وخالية من أي أثاث يذكر، باستثناء مرآة ضخمة مغطاة بغبار كثيف مثبتة بإحكام على الحائط المواجه له. خطى خطوة واحدة مترددة نحو الداخل ليتفحص المكان، وفجأة ارتج الباب خلفه بقوة هائلة وأغلق تماماً بعنف وكأن يداً خفية دفعته. انطفأت أنوار الشقة بأكملها في الخارج، وساد ظلام دامس مرعب لا يكسره سوى انعكاس باهت وجاف لضوء القمر عبر نافذة الغرفة الصغيرة المتسخة التي تطل على منور البناية المهجور.
اقترب مراد من المرآة بخطوات ترتعد خوفاً ورعباً من المجهول الذي ينتظره، ومسح الغبار الكثيف عنها بيده المرتجفة، وما رآه في تلك اللحظة جعل الدماء تتجمد تماماً في عروقه من الصدمة. لم يكن انعكاسه الطبيعي هو الظاهر في المرآة، بل كان يرى جسده واقفاً في نفس الغرفة، لكن بملامح مشوهة للغاية وعينين غائرتين تنزفان سائلاً أسود كالقطران، وخلفه مباشرة تقف كائنات مظلمة طويلة وعديمة الملامح البشرية تبتسم بملء فمها المليء بالأسنان الحادة. حاول الصراخ والاستغاثة بأعلى صوته، لكن صوته اختفى تماماً وكأن الهواء قد سُحب بعنف من صدره وضاق به المكان المحبوس فيه.
فجأة وبدون مقدمات، امتدت يد شاحبة ومقززة بأظافر طويلة من داخل سطح المرآة السائل، وأمسكت بياقة قميصه بقوة خارقة وهائلة، وسحبته بعنف نحو الزجاج الذي تحول فجأة إلى ما يشبه الماء المتحرك لتبتلعه المرآة بالكامل دون أثر. في الصباح التالي، ساد الهدوء أرجاء الشقة مجدداً، ودخل حارس البناء مستخدماً نسخته الاحتياطية بعد أن لاحظ غياب مراد، فوجد الجدار مهدوماً والباب الأسود مفتوحاً على مصراعيه. وعندما نظر بحذر إلى المرآة الضخمة داخل الغرفة، لم يجد أحداً، لكنه لاحظ بقعة دم صغيرة طازجة على الإطار الخشبي، وصورة باهتة ومتحركة لمراد تبدو محبوسة خلف الزجاج، يصرخ ويضرب السطح بصمت مرعب أبدي لا يسمعه أحد من الأحياء.