ظلال تحت الدرج

ظلال تحت الدرج

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ظلال تحت الدرج

لم يكن سامي يؤمن إلا بما تراه عيناه. كان من أولئك الذين يسخرون من قصص الأشباح، ويرون أن كل شيء يمكن تفسيره بالعقل والمنطق. لذلك، حين وجد ذلك المنزل القديم للإيجار بسعر يكاد يكون سخيفًا، لم يتردد لحظة.

كان المنزل معزولًا على أطراف القرية، كأنه منسي منذ زمن بعيد. الأشجار تحيط به من كل جانب، وأغصانها تمتد كأصابع متيبسة نحو النوافذ. بدا المكان وكأنه لا يريد أن يُسكن… ومع ذلك، دخله سامي.

في الأيام الأولى، كان كل شيء طبيعيًا. أكثر من طبيعي. صمت عميق، راحة غريبة، إحساس بأن الزمن أبطأ هنا. لكن ذلك الإحساس لم يدم طويلًا.

image about ظلال تحت الدرج

بدأت الأصوات.

في البداية كانت خفيفة، بالكاد تُسمع. خدوش… كأن شيئًا ما يحتك بخشب قديم. ثم طرقات متباعدة. ثم همسات.

كانت تأتي من أسفل.

من خلف باب قديم عند نهاية الممر.

باب يؤدي إلى درج مظلم.

كان مغلقًا بقفل صدئ، وكأن أحدهم تعمّد أن يبقيه كذلك.

في الليلة الثالثة، لم يعد الصوت يحتمل التجاهل.

اقترب سامي من الباب، قلبه ينبض بشكل غير مريح. وضع يده على المقبض… بارد. بارد بشكل غير طبيعي، كأن البرد ينبعث من الداخل.

ثم سمعه بوضوح.

“افتح…”

تراجع فورًا، أنفاسه متقطعة.

ضحك، لكنه لم يصدق ضحكته.

“مجرد خيال…” تمتم.

لكن الصوت عاد، هذه المرة أقرب.

“أنت تسمعنا…”

في الصباح، حاول إقناع نفسه أن الأمر مجرد توتر. لكنه لم يستطع تجاهل الشعور بأن هناك شيئًا… واعيًا… هناك في الأسفل.

بعد تردد طويل، قرر أن ينهي الأمر.

كسر القفل.

فتح الباب.

نزل.

كل درجة كانت تصدر صريرًا كأنها تحتج على وجوده. الهواء في الأسفل كان أثقل… وكأنه لا يُستنشق بسهولة.

وصل إلى القاع.

غرفة صغيرة، جدرانها مليئة بخدوش عشوائية، لكنها لم تكن عشوائية تمامًا… كانت تشبه كلمات، أو محاولات كتابة فاشلة.

وفي المنتصف…

كرسي.

مقيد عليه هيكل عظمي.

لكن الغريب لم يكن الهيكل.

بل ما كان خلفه.

مرآة.

كبيرة.

مغطاة بطبقة من الغبار.

اقترب سامي ببطء، رفع يده، ومسح جزءًا من الغبار.

نظر إلى انعكاسه…

لكنه لم يكن وحده.

كان هناك شخص يقف خلفه.

التفت بسرعة

لا أحد.

عاد ينظر إلى المرآة.

الشخص ما زال هناك.

وجه شاحب، عينان غائرتان، وابتسامة لا تنتمي لإنسان حي.

تراجع سامي، قلبه يكاد يخرج من صدره.

ثم سمع الصوت… هذه المرة من داخل رأسه:

“نحن لسنا في الأسفل…”

“نحن في الداخل…”

بدأت المرآة تهتز.

تشققات دقيقة ظهرت على سطحها.

ثم

انطفأ الضوء.

صرخ سامي.

لكن هذه المرة… لم يسمع صوته.

وفجأة، عاد كل شيء هادئًا.

هادئًا جدًا.

مرّت أيام.

ثم أسابيع.

المنزل أصبح مهجورًا مرة أخرى.

لكن في إحدى الليالي، جاء رجل جديد… يحمل حقيبة، ينظر حوله بتردد.

كان اسمه “كريم”.

قال له السمسار بابتسامة باردة:
“المكان هادئ جدًا… مناسب لو عايز تبدأ من جديد.”

دخل كريم.

وفي أول ليلة، شعر بذلك الهدوء الغريب.

وفي نهاية الممر…

رأى الباب.

مغلقًا.

لكن هذه المرة…

لم يكن عليه قفل.

اقترب.

وضع يده على المقبض.

تردد.

ثم فتحه.

نظر إلى الأسفل…

الدرج كان مظلمًا.

لكن في عمق الظلام…

كان هناك ضوء خافت.

كأنه انعكاس.

وكأن مرآة ما تنتظره.

وفجأة

صوت.

لكن ليس من الأسفل.

من خلفه.

صوت مألوف… مرهق… خافت.

“ما تنزلش…”

تجمد كريم.

استدار ببطء.

لا أحد.

عاد ينظر إلى الدرج…

ثم لاحظ شيئًا.

على الجدار بجانب الباب، كانت هناك خدوش.

كلمات.

لم تكن موجودة من قبل.

اقترب.

قرأها.

وكانت مكتوبة بخط مرتعش:

“اللي بينزل… مش هو اللي بيطلع.”

تراجع خطوة.

لكن عينيه عادت إلى الظلام.

إلى الضوء الخافت.

إلى ذلك الشعور… بأن هناك شيئًا يعرفه.

ينتظره.

في تلك اللحظة، لم يكن واضحًا إن كان سيتراجع…

أم أنه بالفعل…

اتخذ قراره منذ أن نظر لأول مرة إلى المرآة.

والغريب

أن الصوت عاد مرة أخيرة.

لكن هذه المرة…

لم يكن خائفًا.

بل كان يبتسم.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Ziad Ahmed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-