بيت الجلالي (المهجور)
بيت الجلالي (المهجور)

زقاق قاهري ضيق ومظلم، تظهر فيه مشربيات خشبية قديمة ومتهالكة تتسلل من بينها خيوط ضوء قمري شاحب. في نهاية الزقاق، يظهر باب خشبي ضخم وضخم، مفتوح جزئيًا، ينبعث من داخله ضباب خفيف وظل أسود طويل لكيان غير بشري يمتد على الأرضية الحجرية المبللة. الألوان تميل إلى الأزرق الداكن والرمادي مع إضاءة صفراء خافتة من فانوس شارع قديم يتأرجح
لم يكن يوسف يؤمن بالخرافات. كان يرى في أحياء القاهرة القديمة مجرد تحف معمارية بحاجة إلى الترميم، لا مأوى للأرواح كما يزعم العجائز. لذلك، عندما عُيّن مهندسًا مسؤولاً عن معاينة المباني الآيلة للسقوط في منطقة "الدرب الأحمر"، لم يكترث لرجاء عم "إبراهيم"، حارس الحي، بالابتعاد عن "بيت الجلالي".
كان البيت يقف شامخًا برغم مرور قرنين من الزمان، بمشربياته الخشبية المعقدة وجدرانه الحجرية السميكة التي تحولت إلى اللون الرمادي بفعل الزمن. يقال إن صاحب البيت الأخير، الشيخ الجلالي، اختفى فجأة في أواخر القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين، كل من حاول دخول البيت خرج فاقدًا لعقله، أو لم يخرج أبدًا.
في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً، تسلل يوسف حاملًا كشافه ومعدات التصوير. دفع الباب الخشبي الثقيل، فأنّ بمفصلاته الصدئة مُحدثًا صوتًا خرق سكون الزقاق. خطى لداخل الردهة الرئيسية (الصحن)، وكانت رائحة الرطوبة والورق القديم تعبق بالمكان.
بدأ يوسف يلتقط الصور، وميض الكاميرا يضيء الزوايا المظلمة لثوانٍ معدودة. كان كل شيء يبدو طبيعيًا حتى صعد إلى الطابق الثاني. هناك، شعر فجأة ببرودة قاسية تجمدت معها أنفاسه، رغم أننا كنا في قلب الصيف القاهري الخانق.
فجأة، سمع صوتًا. لم يكن صوت رياح، بل كان أشبه بـ "همس جماعي"، أصوات رجال ونساء وأطفال تتداخل معًا، كأنهم يرتلون عبارات غير مفهومة. تجمد يوسف في مكانه. وجّه كشافه نحو مصدر الصوت في نهاية الممر المظلم، لكن الضوء بدأ يضعف ويمض بشكل غريب.
"من هناك؟" صاح يوسف، وصوته يرتجف لأول مرة.
لم يأتِ جواب، لكن الهمس انقطع فجأة، وحلّ محلّه صوت خطوات ثقيلة... خطوات تقترب منه بسرعة من داخل الظلام الدامس. حاول يوسف التراجع، لكنه تعثر بسجادة ممزقة وسقط أرضًا، لتسقط الكاميرا والكشاف من يده وينطفئ الضوء تمامًا.
في الظلام الحالك، شعر يوسف بشيء يقترب منه. لم يكن يرى شيئًا، لكنه شعر بهواء بارد نتن يلفح وجهه، وسمع صوت تنفس عميق ومرعب فوق رأسه مباشرة. وفي تلك اللحظة، ومضت الكاميرا تلقائيًا بفعل خلل ما، لتضيء المكان لكسر من الثانية.
في ذلك الجزء من الثانية، رأى يوسف وجهًا... أو ما كان ينبغي أن يكون وجهًا. كان كيانًا أسودًا بلا ملامح واضحة، سوى فم ضخم ممتد مليء بأسنان حادة، وعيون تشع ببريق أحمر مستعر، وكان الكيان يرتدي جبة قديمة تشبه ملابس أصحاب البيت الراحلين.
صرخ يوسف بكل ما أوتي من قوة، وزحف للخلف مجنونًا، بينما كان الكيان يطلق ضحكة صاخبة تردد صداها في أرجاء البيت، وكأن الجدران نفسها تضحك معه. انطلق يوسف نحو السلم، مدفوعًا برعب خالص، لا يرى أمامه شيئًا سوى ضوء القمر الشاحب المتسلل من الباب الخارجي.
ارتمى يوسف خارج الباب ليسقط على أرضية الزقاق الحجرية، لاهثًا، ودموعه تنهمر. وعندما نظر للخلف، رأى الباب الخشبي الثقيل يغلق ببطء تلقائيًا، ومن خلف المشربية في الطابق الأعلى، كان هناك ظل أسود يقف يراقبه، ويد تلوح له ببطء.
منذ تلك الليلة، غادر يوسف عمله في القاهرة ولم يعد إليها أبدًا. أما "بيت الجلالي"، فقد أغلقته الحكومة بالوصيد، لكن سكان الزقاق يقسمون أنهم في الليالي الظلماء، لا يزالون يسمعون صوت صراخ يوسف يتردد داخل البيت، كأن الجدران سرقت صوته لتضيفه إلى صدى ضحاياها.
انتهي …