فندق سياج 🩸“HOTEL SIYAJ”🩸

الوصول إلى السياج الصدئ
كان الطريق الترابي يمتد أمامهم كلسان أسود يلعق الظلام. أحمد جلس في المقعد الأمامي بجانب كريم الذي يقود السيارة القديمة، بينما حسن ومحمود يتضاحكان في الخلف. الساعة تجاوزت الثانية عشرة ليلاً، والقمر مختبئ خلف غيوم كثيفة كأنها تحاول أن تبتعد عن هذا المكان.
"أنا قلت لكم، الفندق ده ملعون"، قال حسن بصوت يحاول أن يبدو ساخراً، لكنه كان يرتجف قليلاً.
"فضول يا صاحبي، فضول بس" رد أحمد وهو ينظر من النافذة. "الناس بتقول إنه اتقفل من سنين بعد ما حصلت فيه حوادث غريبة. عايزين نشوف بنفسنا".
عندما توقفت السيارة أمام البوابة الحديدية الصدئة، شعر أحمد بقشعريرة تمر في عموده الفقري. اللوحة المعدنية المعلقة كتبت عليها بخطوط متآكلة: فندق سياج - ١٩٧٨. السياج نفسه كان ملتوياً كأصابع ميتة تحاول الإمساك بأي شيء حي. الهواء بارد جداً، أبرد مما يجب أن يكون في مايو.
أبواب لا تُغلق
تسلقوا السياج بسهولة. محمود، الأكثر جرأة، كان يضحك وهو يقفز إلى الجهة الأخرى. "يا جماعة، ده فندق فخم زمان! تخيلوا اللي عاشوا هنا".
المدخل الرئيسي كان مفتوحاً على مصراعيه، كأن الفندق نفسه ينتظرهم. الأرضية مغطاة بطبقة سميكة من الغبار اختلطت بدماء قديمة جفت منذ زمن. مصابيحهم اليدوية ترقص على الجدران المشققة، تكشف عن لوحات زيتية ممزقة تصور وجوهًا باهتة تبتسم ابتسامات غريبة.
"سمعتوا ده؟" همس حسن فجأة.
“إيه؟”
"صوت... زي خطوات".
ضحك كريم. "ده صدى يا خوي". لكن أحمد لاحظ أن يد كريم ترتجف وهو يمسك المصباح.

دخلوا البهو الكبير. الثريا الضخمة معلقة كجثة، متمايلة قليلاً رغم عدم وجود ريح. على المكتب الاستقبال كانت دفتر التسجيل مفتوحاً، والصفحة الأخيرة تحمل أسماء مكتوبة بخط يد مرتجف: "لا تدخلوا".
الطابق الأول.. همسات في الظلام
صعدوا الدرج الرخامي المتشقق. في كل غرفة كانوا يفتحون باباً، يجدون أثاثاً مغطى بأغطية بيضاء تشبه الأشباح الراكدة. في غرفة ١١٧، وجدوا حقيبة سفر قديمة مليئة بملابس طفلة. تحت السرير، دمية قديمة بعيون زجاجية مفقودة إحداها.
"يا جماعة، أنا مش مرتاح" قال حسن وهو يمسح عرقه.
"خمس دقايق ونطلع" وعد أحمد، لكن الفضول كان يدفعه أكثر.
فجأة سمعوا ضحكة طفلة. خفيفة، بعيدة، قادمة من أعلى. نظر بعضهم لبعض. محمود قال بصوت عالٍ متعمد: “مين هناك؟!”
الضحكة تكررت، أقرب هذه المرة.
هرعوا إلى الطابق الثاني. الممرات هنا أضيق، والجدران تبدو وكأنها تتنفس. أبواب تفتح وتغلق لوحدها ببطء. في إحدى الغرف، وجدوا كتابة على الحائط بخط أحمر: "هو بيحب اللي فضوليين".

الظلال التي تتبع
بدأت الأمور تتدهور في الطابق الثالث. كريم أول من رأى الظل. شكل إنسان طويل يقف في نهاية الممر، ثم اختفى عندما سلطوا عليه المصابيح.
"ده كان شخص ولا إيه؟!" صاح.
"كان... كان واقف بيبص علينا".
الجو أصبح أثقل. رائحة عفن قوية، مختلطة برائحة لحم محترق. سمعوا أصوات أنفاس ثقيلة خلفهم، لكن كلما التفتوا لم يجدوا أحداً. محمود بدأ يشعر بدوار. "في حاجة بتلمسني... على كتفي".
أحمد حاول أن يبقي رباطة جأشه. "نكمل لفوق ونرجع. عايزين نوصل للسطح عشان نتصور ونخرج".
لكنهم لم يعرفوا أن الفندق لم يكن يريد أن يخرجوا.

غرفة ٤٢٢.. السر
في الطابق الرابع، وجدوا غرفة لم تكن مغلقة مثل الباقي. بابها مفتوح، ومن الداخل يخرج ضوء أزرق خافت، رغم انقطاع الكهرباء منذ عقود.
دخلوا. الغرفة كانت مختلفة تماماً. الأثاث جديد نسبياً، والسرير مرتب. على الطاولة، صور فوتوغرافية لعائلة. لكن الوجوه في الصور... محروقة. في الوسط صورة لفتاة صغيرة بعيون فارغة.
"انظروا" قال حسن مشيراً إلى الحائط. كان هناك تسجيل صوتي قديم، شريط كاسيت. أحمد ضغط عليه.
صوت رجل مرتعش: "الفندق... مش فندق. هو سياج. سياج بين العالمين. اللي يدخل... بيفتح باب ما يقدرش يقفله".
ثم صراخ امرأة، ثم صمت. الشريط احترق فجأة في يد أحمد.
في تلك اللحظة، انطفأت جميع المصابيح.

الصعود إلى الجحيم
ركضوا نحو السلم في الظلام التام. أصوات أقدام كثيرة خلفهم. أيادٍ باردة تلمسهم. حسن سقط مرة، لكنه نهض بسرعة. "هم بيجروني!" صاح.
وصلوا إلى الطابق السابع، الآخر. السطح. الباب الحديدي ثقيل، لكنهم دفعوه بكل قوتهم.
الهواء خارجاً كان بارداً كالموت. وقفوا على حافة السطح يلهثون. المدينة البعيدة تتلألأ كنجوم ميتة.
"خلاص، ننزل" قال كريم.
لكن محمود وقف في الوسط، عيناه واسعتان. "مش قادر... في حاجة جوايا".
ثم بدأ يبتسم ابتسامة غريبة، غير بشرية.

السقوط
"محمود؟" صاح أحمد.
تقدم محمود نحو الحافة بخطوات بطيئة. جسده يرتجف كأن شيئاً يحركه من الداخل.
"هو عايزني أشوف... الجانب التاني".
حاول أحمد وكريم الإمساك به، لكن محمود دفع كريم بقوة خارقة فسقط على الأرض. ثم نظر إلى أحمد بعيون سوداء تماماً، بدون بياض.
"أنتم اللي جبتوني هنا".
ثم قفز.
الصراخ الذي أطلقه محمود وهو يسقط من الدور السابع كان أطول مما يجب أن يكون. استمر، استمر، حتى بعد أن سمعوا الصدمة المروعة على الأرض أسفل.

الهرب من السياج
ركض الثلاثة المتبقون كالمجانين. الفندق كان حياً الآن. الأبواب تغلق أمامهم وتفتح. الجدران تنزف سائل أسود. أصوات مئات الأرواح تصرخ في آذانهم: "ابقوا... ابقوا معانا".
حسن أصيب بخدش عميق في وجهه من شيء لم يروه. كريم كسر ذراعه وهو يسقط على الدرج. أحمد فقط كان يجري بلا توقف، دموعه تسيل وهو يهمس: "سامحني يا محمود... سامحني".
عندما وصلوا إلى البوابة الصدئة، كانت السيارة تنتظرهم. لكن عندما نظروا خلفهم، رأوا محمود يقف عند مدخل الفندق، يلوح لهم بيده المكسورة، مبتسماً بنفس الابتسامة غير البشرية.

ما بعد الكارثة
وصلوا إلى المدينة وهم في حالة صدمة. لم يبلغوا الشرطة. ماذا سيقولون؟ أن فندقاً أكل صديقهم؟
في تلك الليلة، استيقظ أحمد على صوت طرق على نافذة غرفته في الطابق الثالث. عندما نظر، رأى محمود يقف على الحافة الخارجية، يبتسم.
"تعالى يا أحمد... الفندق لسه مستنيك".
منذ ذلك اليوم، الثلاثة لم يناموا ليلة كاملة. وكلما مرت سيارة أمام فندق سياج القديم في الطريق الترابي، كانوا يسمعون ضحكة طفلة قادمة من الظلام.
الفندق لم يكن يحتاج إلى أبواب.
كان السياج نفسه هو الفخ.
القصة انتهت، لكن الفندق... ما زال ينتظر.