مفتاحين للبرد. بيت الجده المهجور..
*بيت الجده المهجور *
من يوم ما ماتت جدتي، وأنا أسمع صوتها كل ليلة الساعة 3:17 بالضبط. نفس الجملة: "اقفل الباب يا سليم، البرد داخل".
أنا ما عمري سكنت معها. بيتها في آخر شارعنا مقفول من 7 سنين. الكل يقول مسكون، وأنا أضحك. لين ورثته.
أول ليلة قضيتها هناك، البرد كان طبيعي. لكن الساعة 3:17 صحيت على ريحة قرفة. ريحة البخور اللي جدتي كانت تولعه دايم. الباب اللي تحت فاتح على آخره، رغم إني قفلته بمفتاحين قبل أنام.
مشيت أقفله. وأنا ألف المفتاح، سمعت خطوات فوق. خطوات حافية على البلاط. قلبي وقع في رجلي، بس طلعت. الغرف فاضية، الغبار يغطي كل شي. إلا غرفة جدتي. السرير مرتب، والبخور مولع. والدولاب مفتوح.
داخل الدولاب فستانها الأسود. نفسه اللي دفنوها فيه. وفجأة الفستان طاح من الشماعة لحاله. تحته، على رف الدولاب، صندوق خشب صغير مقفول بقفل صدئ.
فتحته بمفك. داخله صور. كلها لي. وأنا صغير، وأنا في المدرسة، وأنا يوم تخرجت. صور ما المفروض هي تصورها أصلاً. وآخر صورة... أنا نايم على سريري في البيت الجديد. الصورة متاخدة من زاوية السقف.
حسيت بيد باردة على كتفي. لفيت ولا أحد. بس المراية اللي قدامي ما عكستني. عكست جدتي واقفة وراي، لابسة نفس الفستان، وعيونها سوداء كلها. ابتسمت وقالت: "أخيراً رجعت يا حبي. كنت خايفة البرد ياكلك".
من يومها وأنا أحاول أطلع من البيت. الباب الرئيسي ما يفتح. الشبابيك مسكرة من برا بمسامير. والتلفون ما فيه شبكة. كل ليلة الساعة 3:17 الباب اللي تحت ينفتح لحاله، والبرد يدخل، وصوتها يرجع: "اقفل الباب يا سليم".
الليلة قررت ما أقفله. خلي البرد يدخل. خليها تدخل معاه. يمكن إذا دخلت بترتاح وأرتاح معها.
بس في شي ما قلت لك عنه. البيت هذا مو بيت جدتي لحالها. تحت البلاط في القبو في 6 قبور صغار. كل قبر عليه اسم واحد من عيالها اللي "سافروا وما رجعوا".
وأنا اسمي السابع. والصندوق لسه فيه مكان لصورة وحدة فاضية.
الساعة الآن 3:16. سمعت المفتاح يلف في الباب اللي تحت لحاله.البرد بدأ يزحف من الدرج، وصوت جدتي صار أقرب: "اقفل الباب يا سليم".
بس هالمرة ما تحركت. فتحت الصندوق الخشب على آخر صورة فاضية. فهمت اللعبة. البيت ما يبغى يقتلني... يبغى يبدلني. يبغى جسم جديد يسكن فيه بدل الأجسام الستة اللي تحت البلاط.
مسكت الصورة الفاضية ومزقتها نصين قدام المراية. المراية انشقت بصوت قوي، وعيون جدتي السوداء وسعت من الرعب. هي اللي تخاف، مو أنا.
صرخت فيها: "أنا مو واحد من عيالك! أنا سليم، وعندي بيت وعندي حياة برا القبور حقتك!"
البيت كله اهتز. البخور انطفى، وريحة العفن طلعت مكان ريحة القرفة. جدتي فتحت فمها تصرخ بس ما طلع صوت. القفل الصدئ اللي في الصندوق طاح، والباب الرئيسي انفتح بقوة كأنه تنفس بعد سنين كتمة.
ركضت بدون ما ألتفت. البرد كان يمسك برجلي، والخطوات الحافية تلاحقني. بس الشارع كان منور. أول ما رجلي لمست الأسفلت برا السور، كل شي سكت.
التفت للبيت. الشبابيك كلها سوداء. والستارة في غرفة جدتي نزلت لحالها. كأنها ودعت.
من يومها ما أسمع صوت الساعة 3:17. بس كل ما أمر من قدام البيت ألقى الباب الرئيسي مقفول بمفتاحين... من برا. وكأن أحد جوّا ما يبغى يطلع.
أجلت البيت للمحكمة ورفضت أورثه. آخر شي عرفته إن البلدية جت تهدّه عشان توسع الشارع. والحفار أول ما نزل تحت البلاط، وقف. العمال قالوا سمعوا 6 أصوات أطفال تقول "شكراً".
وأنا؟ أنا نمت هذيك الليلة بدون بخور، بدون برد، وبدون أحد يقول لي اقفل الباب.
بس لليوم، قبل أنام، أتأكد إني قافل بابي... بمفتاحين. مو خوف. احتراماً للبيوت اللي فيها أسرار ما لازم تنفتح.