«غريب أنا في عشي»-الفصل الأول

«غريب أنا في عشي»-الفصل الأول

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about «غريب أنا في عشي»-الفصل الأول

    غريب أنا في        عشي 

 

   الفصل الأول: بداية جديدة

 الساعة الآن الثالثة وثلاث وعشرون دقيقة فجرًا، والمطار يغص بالأضواء والوجوه المتعبة. كل شيء يبدو مألوفًا ومجهولًا في آنٍ معًا. الناس يمضون نحو رحلاتهم، بينما يمضي عدي نحو مواجهة لم يتخيلها يومًا.

يحمل حقيبته الجلدية بيد، وباليد الأخرى يحمل قلبه الذي أثقلته السنوات. ينظر من نافذة الطائرة قبل الصعود، يتنهد ببطء، ثم يهمس: “ستكون رحلة طويلة... من كل النواحي.”

جلس في مقعده قرب النافذة، ووضع رأسه على الزجاج البارد. يداه بدأت ترتجف من دون أن يشعر، وفعل ما يفعله دائمًا حين يتوتر: أخذ ينتف شعر لحيته. عادة سيئة لازمت سنواته الأخيرة، لم يعرف متى بدأت، لكنه يعرف تمامًا لماذا لم تتوقف.

همس لنفسه: “ما تعلمته هنا في أمريكا... أن الوجوه لا تُخيفك، بل العيون. المظهر، اللهجة، حتى صمتي، كان يثير ريبة لم أعد أستغربها. أنا رجل في الثلاثين، مسلم، بلحية كثيفة... مجرد كائن غريب في عيونهم، لا أكثر.”

حاول أن يشغل ذهنه، لكن خيالها عاد. إزابيلا. كم مرة حاول طرد صورتها؟ كم مرة عاد قلبه ينقبض حين يتذكرها؟

“مرّت  ستة أشهر… منذ أن فقدتها.”

ابتسم بألم. “إزابيلا... كانت أول من رأتني كما أنا، لا كما أرادوا أن أكون.”

يتذكرها جيدًا، يوم التقاها في أحد فروع محلاته. أمريكية الأصل، أسلمت حديثًا، ولم تكن كأي فتاة عرفها من قبل. كان في حديثها نور، وفي نظرتها طمأنينة، لم يكن فيها لا خوف ولا حكم. عامٌ كامل من العمل والتقارب، جعله يتخذ قراره بشجاعة: طلبها للزواج.

تلك الابتسامة حين وافقت

… لم ينسها أبدًا. لكنها لم تدم. لم يشأ هو، بل شاء الله.

حادث سير. موت مفاجئ. حزن لم يتسنَّ له حتى أن يراها لآخر مرة.

أغمض عينيه، والدمعة تنزلق خفية: “كل ما تمنّيته… أن أراها مرة أخيرة فقط.”

فجأة، صوت المضيفة: “سيدي! سيدي! لقد وصلنا إلى دبي. يُرجى النزول.”

أفاق من غرقه في افكاره ، جمع نفسه، وقبل أن يتحرك، همس: “عدي… أفق من الذكريات. الحياة أمامك، لا خلفك.”

الفصل الثاني: الباب الذي لم يُفتح

الشمس بدأت تشقّ طريقها فوق أبراج دبي، لكن قلبه ما زال غائمًا. ها هو يقف أمام باب لم يطرقه منذ سنوات.

يرتجف إصبعه وهو يهمّ بقرع الجرس. ماذا سيقول؟ هل يبدأ بعناق؟ بعتاب؟ بصمت؟ تخيل مئات السيناريوهات، وكلها بدت ناقصة أمام رهبة اللحظة.

ثم فتح الباب.

وكان والده هناك.

عدي جَمَد. الوقت توقّف. كل الذكريات اختنقت في صدره، ولم يعرف إن كان عليه أن يتكلم أم يهرب.

عدي لم يعش مع هذا الرجل يومًا. ولا مع والدته.

ربّته جدته من جهة أمه، في أحد أحياء أمريكا الباردة. عائلة مسيحية، محافظة، أحبّته كما يُحبّ الورق الأبيض… حتى قرر أن يكتب عليه الإسلام.

كان في الرابعة عشرة. اختار الإسلام بوعي، بإصرار. ولم يكن يعلم أن هذا الاختيار سيجعل الجدة الحنونة تنظر إليه كأنه خائن… أو أسوأ: كأنه والده.

منذ ذلك اليوم، لم يعد البيت بيتًا. أصبح متحفًا من النظرات الصامتة، الأحكام المبطنة، الكلمات الجارحة، والأسئلة المشككة.

كبر عدي يشعر أنه دخيل… غريب… بل منبوذ. للكن قلبه لم يفرغ من الأمل.

كان يردد في صمت: "أبي… ربما أبي سيكون الحضن الذي لم أجد مثله."

وفجأة… دون أي مقدمة، دُون كلمة، دُون حتى ملامح تمهيد… عانقه والده.

عناق طويل، عميق، كأن السنوات تنحلّ فيه. كأنّه يعتذر عن كل الفراغ، عن كل الغياب، عن كل وجع عاشه عدي وحده.

وعدي لم يحتمل. دموعه سقطت، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها تحررت.

سنوات من الشوق، من الحاجة إلى الأمان، من الشعور بأنه غريب حتى عن دمه… كلها انسكبت في لحظة واحدة.

فكر في إزابيلا. في جدته. في أمريكا. في نفسه حين كان صغيرًا يبحث عن أحد يُشبهه.

ثم تمتم وهو لا يزال في صدر والده: "هذا… هذا هو الدفء الذي كنت أبحث عنه… لسنين."

يتبع...

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
الكاتبة إسراء تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

3

مقالات مشابة
-