In this article
الانتقام

الفصل الأول: الليلة التي مات فيها الضوء
هناك ليالٍ يغيّر فيها القدر مصير إنسان إلى الأبد.
وليست كل النهايات تبدأ بصراخ…
أحيانًا تبدأ بصمتٍ مخادع.
كان المطر ينهمر فوق أسطح المنازل كأنه يحاول غسل المدينة من خطيئة لم تُرتكب بعد. البرق يشق السماء للحظات، ثم يعيد كل شيء إلى ظلام كثيف.
داخل منزل صغير على أطراف المدينة، كانت الحياة تمضي بهدوء.
ضحكات طفلة تملأ المكان.
رائحة العشاء تتسلل من المطبخ.
وأب يطالع كتابه بين الحين والآخر، بينما يراقب ابنه آدم، الذي لم يتجاوز العاشرة، وهو يحاول رسم ذئب على ورقة بيضاء.
ابتسم الأب وقال:
“ما زلت ترسم الذئاب؟”
رفع آدم الورقة بفخر.
“لأنها لا تخاف.”
ضحك الأب بخفة.
“حتى الذئاب تعرف الخوف... لكنها لا تسمح لأحد أن يراه.”
كانت تلك آخر جملة سيسمعها آدم من والده.
في الخارج…
توقفت سيارة سوداء أمام المنزل.
ثم لحقت بها ثانية.
ثم ثالثة.
أطفئت المحركات في الوقت نفسه.
لم ينزل أحد لعدة ثوانٍ.
لكن ذلك الصمت كان أثقل من أي صوت.
رفع الأب رأسه ببطء، وكأن شيئًا داخله أخبره أن هناك خطرًا يقترب.
اقترب من النافذة.
ولمّا رأى الرجال المقنعين، شحب وجهه.
همس بصوت خافت:
“ليس الآن...”
التفت بسرعة نحو زوجته.
“خذي الأطفال واختبئي.”
لم يسأل أحد عن السبب.
كانت نبرة صوته كافية لتزرع الرعب في القلوب.
اهتز الباب بضربة عنيفة.
ثم ثانية.
ثم…
انفجر القفل.
اندفع رجال مسلحون إلى الداخل.
دوى الرصاص في أرجاء المنزل.
تحطمت الطاولة.
تناثر الزجاج.
وامتزج صوت المطر بالخوف.
أمسكت الأم بذراع آدم بقوة حتى كادت تؤلمه.
دفعت آدم وأخته الصغيرة إلى داخل خزانة خشبية ضيقة.
انحنت أمامهما، وكانت دموعها تلمع رغم محاولتها الابتسام.
وضعت يدها على وجه آدم وهمست:
“اعتنِ بأختك... مهما حدث.”
أراد أن يسألها أين ستذهب.
لكنها أغلقت الباب.
واختفى وجهها خلف الظلام.
من داخل الخزانة…
لم يكن آدم يرى شيئًا.
لكنه كان يسمع كل شيء.
خطوات ثقيلة.
صرخات.
طلقات نارية.
ثم صوت ارتطام جسد بالأرض.
ارتجفت أخته الصغيرة وهي تبكي بصمت.
ضمها إلى صدره، ووضع يده على فمها حتى لا يصدر منها أي صوت.
كان قلبه يخفق بعنف، حتى خشي أن يسمعه أولئك الرجال.
ثم…
ساد الصمت.
صمتٌ مرعب.
الصمت الذي يأتي بعد الكارثة.
لا يعلم كم مرّ من الوقت.
دقائق…
أم ساعات…
كل ما يعرفه أن المطر ما زال يهطل عندما دفع باب الخزانة ببطء.
خرج بخطوات مترددة.
كانت رائحة البارود تخنق أنفاسه.
الأثاث محطم.
والجدران مثقبة بالرصاص.
رفع بصره…
فتوقفت أنفاسه.
كانت والدته ممددة على الأرض.
وعيناها المفتوحتان تحدقان في السقف، كأنهما ما زالتا تنتظران عودته.
وعلى بعد خطوات…
كان والده غارقًا في دمائه.
تجمد آدم.
لم يصرخ.
لم يبكِ.
كأن عقله رفض تصديق ما تراه عيناه.
اقترب ببطء.
ركع بجوار والده.
أمسك بيده…
كانت باردة.
باردة إلى درجة جعلت العالم كله يبدو بلا حياة.
في تلك اللحظة، انكسرت داخله قطعة لن تعود كما كانت أبدًا.
وفي طريقه إلى الباب…
لمح شيئًا صغيرًا يلمع بين الزجاج المحطم.
خاتمًا أسود.
يتوسطه نقش غريب لم يره من قبل.
رفع الخاتم بيده المرتجفة.
حدق فيه طويلًا.
لم يكن يعلم أن هذا الخاتم سيصبح أول خيط يقوده إلى الحقيقة…
وأول خطوة في طريق سيغرقه بالدم.
وقف وسط المنزل المظلم، بينما المطر يواصل الهطول في الخارج.
وأقسم، بصوت لم يسمعه أحد:
“لن أسامحهم...”
“ولو اضطررت إلى مطاردة الظلام نفسه.”
وفي تلك الليلة…
لم تمت عائلة آدم فقط.
بل وُلد رجل لن يعيش إلا من أجل الانتقام
Keep up with توتي TOTTI
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment