حكايات روني / الفصل الثاني : نصف ساعة من العمر
حكايات روني / الفصل الثاني : نصف ساعة من العمر.
هذا الفصل جزء من رواية "حكايات روني". إذا لم تقرأ الفصل الأول "البذور"، يُفضل البدء به لفهم الأحداث والشخصيات.
“ أحيانا … ثلاثون دقيقة تكفي لتصنع انسان ”
كانت الساعة تقترب كل ليلة من الحادية عشرة والنصف،
وكأنها موعد لا يتأخر أبدًا.
لم يكن روني يعرف معنى الوقت،
لكنه كان يعرف أن عقرب الساعة عندما يقترب من هذا الرقم،
يبدأ قلبه في القفز قبل قدميه.
كان يجلس على عتبة باب الشقة الصغيرة،
يضم ركبتيه إلى صدره،
وينصت لصوت السلم القديم.
لم يكن يرى والده بعد...
لكنه كان يحفظ وقع خطواته كما يحفظ الطفل صوت أمه.
خطوة...
ثم أخرى...
ثم تنهيدة خافتة...
ثم صوت مفتاح يحتك بالباب.
وما إن يُفتح الباب،
حتى ينسى الرجل الذي في الخارج كل ما حمله طوال يومه.
يدخل “والد روني”
بقميصٍ ابتلعه العرق حتى تغيّر لونه،
ويدين خشنتين من العمل،
ووجهٍ أرهقته الحياة...
لكن عينيه،
وحدهما،
كانتا تبتسمان.
كان روني يرى في تلك الابتسامة شيئًا لا يستطيع تفسيره،
لكنه كان يشعر بالأمان كلما ظهرت.
لم يكن والده كثير الكلام.
ولم يكن من الرجال الذين يقولون: "أنا أحبك."
لكنه كان يعرف طريقة أخرى للحب.
كان يربت على رأسه وهو يمر بجواره
. يسأله:
"عامل إيه يا بطل؟"
ثم يخلع حذاءه في هدوء،
ويجلس دقائق قليلة كأن الدنيا كلها توقفت احترامًا لتلك اللحظات.
كانت نصف ساعة فقط...
لكنها كانت الدنيا كلها بالنسبة لطفل صغير.
ومن جيب بنطاله،
يخرج الكنز اليومي.
ربع جنيه...
لم يكن المبلغ كبيرًا...
لكن روني لم يكن يرى فيه نقودًا.
كان يراه حبًا يمكن سماعه.
يمد يده الصغيرة،
يأخذ العملة،
ثم يجري بسرعة ناحية علبة السمنة القديمة التي صنع منها والده حصالة.
كان يظنها أجمل حصالة في الدنيا .
لم يعرف حقيقتها الا بعد ما كبر .
أن والده لم يشتر له حصالة أصلا
كانت مجرد علبة سمنة فارغة , غسلها جيدا , ثم خرم غطاءها بمسمار وقال له يومها وهو يبتسم :
“ خلاص .. بقت حصالتك ”
يلقي العملة داخلها...
فتصدر ذلك الصوت المعدني الجميل...
"شخللة..."
كان يعشق تلك الشخللة.
يهز العلبة بقوة...
ثم يضحك...
ويهزها مرة أخرى...
وكأنه يتأكد أن الحلم ما زال بداخلها.
كان والده يضحك كلما رآه يفعل ذلك.
ضحكة مختلفة...
هادئة...
صادقة...
كأنها خرجت من قلب رجل لم يضحك طوال اليوم إلا الآن.
لم يكن روني يعلم أن تلك العلبة لم تكن تحفظ النقود فقط...
بل كانت تحفظ شيئًا آخر.
كل يوم كان والده يضع عملة...
وكان، دون أن يدري، يضع معها قيمة.
الصبر...
الادخار...
الرضا...
والسعي.
في إحدى الليالي...
جلس الأب بجواره بعد أن نامت الأسرة.
كانت المرة الأولى التي يرى فيها والده صامتًا لهذه الدرجة.
نظر إليه وقال بصوت منخفض:
"بص يا روني..."
رفع الطفل عينيه إليه.
ابتسم الأب ابتسامة صغيرة،
ثم قال: "أوعى في يوم تسترخص نفسك... وخليك دايمًا محترم... حتى لو محدش احترمك."
ظل روني ينظر إليه.
لم يفهم كل الكلمات...
لكنه حفظها.
الأطفال لا يفهمون كل شيء...
لكنهم لا ينسون شيئًا.
ثم سكت الأب فجأة.
نظر ناحية الباب...
كأنه كان سيحكي شيئًا آخر...
شيئًا ظل حبيس صدره سنوات طويلة.
تنهد...
وربت على رأس ابنه وقال:
“أوعي .. تطلع زيي ”
رد روني قاله :
ليه يابابا ؟!
انا بحبك اوي ونفسك ابقي زيك بالظبط
رد أبوه وقاله :
"لما تكبر... هتعرف."
ولم يقل شيئًا بعد ذلك.
لكن تلك الجملة...
عاشت داخل روني سنوات.
"لما تكبر... هتعرف."
ماذا سيعرف؟
ولماذا لم يخبره الآن؟
كان السؤال أكبر من عقل طفل...
لكنه ظل يكبر معه عامًا بعد عام.
كان روني يعشق والده بطريقة لم يكن يعرف لها اسمًا.
وكان إذا جلسا وسط الناس،
يظل يراقب الجميع في صمت.
كلما مدح أحد والده...
ابتسم.
وإذا تجاهله أحد...
شعر بضيق لا يفهمه.
أما إذا انتقص أحد من قيمة أبيه...
فكان قلبه الصغير ينكمش
وكأن الكلمات أصابته هو.
كان يرى والده أعظم رجل في الدنيا.
ولم يكن يعرف...
أن الدنيا لا تنظر إليه بالطريقة نفسها.
انتهت النصف ساعة سريعًا كعادتها.
قام الأب،
توضأ،
وصلى ركعتين قبل أن ينام
أما روني...
فأخذ حصالة علبة السمنة،
وضمها إلى صدره،
وأغلق عينيه.
لم يكن يحتضن علبة صفيح...
كان يحتضن نصف ساعة...
ستعيش معه عمرًا كاملًا.
لكن هناك سؤالًا ظل معلقًا في قلبه...
يتبع ….
