صمت الخزانة المنسية

العنوان: صمت الخزانة المنسية
.
القصة
كان الحبر ينشف على عقد الإيجار عندما ابتسم المالك ابتسامة غريبة، وقال بصوت خفيض: "الشقة لك يا كريم، لكن إياك ومحاولة فتح الخزانة التي في نهاية الممر. اعتبرها جداراً ثابتاً." لم يهتم كريم لحديث الرجل؛ فقد كان كل ما يهمه هو السعر الزهيد مقابل شقة بهذا الحجم في قلب المدينة.
في الليالي الأولى، كانت الأمور تسير بهدوء، باستثناء برودة غير طبيعية تجتاح الممر كلما حلّت الساعة الثالثة فجراً. كانت تلك البرودة مصحوبة برائحة غريبة، تشبه رائحة الأوراق القديمة المبتلة بالماء المالح.
في ليلة الجمعة، ومع هطول المطر بغزارة واهتزاز نوافذ الشقة، بدأ الصوت. لم يكن صوتاً عالياً، بل كان همساً حاداً يشبه احتكاك الأظافر بالخشب المعتق. خَرَج كريم من غرفته ممسكاً بضوء هاتفه المحمول، وتتبع مصدر الصوت حتى وصل إلى نهاية الممر. كانت الخزانة الضخمة المصنوعة من الخشب الأسود تقف هناك، محكمة الإغلاق بحديد صدئ وسلسلة ثقيلة.
اقترب كريم، ووضع أذنه على باب الخزانة الخشبي. انقطع الهمس فجأة، وحلّ صمت مريب جعل دقات قلبه تتسارع كأنه طبول حرب. فجأة، سمع صوتاً واضحاً يتنفس ببطء من الداخل، ثم يهمس باسمه: "كريم... أخرجني، الحرارة تأكلني هنا."
تراجع كريم إلى الخلف رعباً، وسقط هاتفه على الأرض. كيف يعرف هذا الشيء اسمه؟ تحلت شجاعته بالفضول الجاهل، فقرر أنه لن يستطيع النوم في هذه الشقة دون معرفة السر. أحضر مطرقة وإزميلاً من صندوق أدواته، وبدأ يضرب القفل بكل قوته. كانت كل ضربة تنزل على القفل تُقابل بضحكة مكتومة ومبهوجة من داخل الخزانة!
مع الضربات الأخيرة، انكسر القفل وسقطت السلاسل على الأرض بصوت مدوٍّ. ساد الهدوء التام لثوانٍ. انفتح باب الخزانة الخشبية ببطء شديد وأزيز يرعب الأبدان.
لم تكن الخزانة تحتوي على أرفف أو ملابس. كانت عبارة عن تجويف مظلم وعميق لا نهاية له، وكأنها بوابة لظلام مطلق. وفجأة، برزت من الظلمة أيدٍ نحيلة جداً ذات أظافر طويلة وسوداء، وأمسكت بإطار الخزانة الخارجي. تبع ذلك ظهور وجه شاحب لدرجة البياض، بلا عينين—مجرد تجويفين فارغين ينبعث منهما سواد يتساقط كالحبر.
حاول كريم الصراخ، لكن صوته اختفى تماماً وكأن الهواء سُحب من رئتيه. لم يستطع تحريك قدميه؛ فقد كانت الأرضية تحت يديه قد تحولت إلى مادة لزجة تمنعه من الهرب. اقترب الكائن من وجهه حتى شعر كريم ببرودة أنفاسه التي تتصاعد كالدخان، ثم قال الكائن بصوت يدمج بين مئات الأصوات البشرية التي تصرخ في وقت واحد: "شكراً لك... السلسلة كانت تحبسني، والان دورك لكي تحرس الظلام مكاني."
في الصباح التالي، جاء المالك ليفحص الشقة. كانت الأبواب مفتوحة، الشقة فارغة، والخزانة في نهاية الممر مفتوحة على وسعها، والقفل المكسور ملقى على الأرض. ابتسم المالك بحزن، وأغلق باب الخزانة، ثم وضع قفلاً جديداً وسلسلة أخرى... منتظراً المستأجر القادم.