ليلة القطار الاخيره

ليلة القطار الاخيره

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ليلة القطار الأخيرة

في بلدة صغيرة تحيط بها الغابات الكثيفة، كان هناك خط سكة حديد قديم توقف عن العمل منذ أكثر من ثلاثين عامًا. ومع ذلك، لم يتوقف الناس عن الحديث عن القطار الذي يظهر في ليلة واحدة فقط من كل عام، عند منتصف الليل تمامًا. كانوا يسمونه "القطار الأخير"، ويقسم كبار السن أنهم رأوه بأعينهم، بينما يختفي كل من يجرؤ على الصعود إليه دون أن يترك خلفه أي أثر.

لم يكن "سامي" يؤمن بالخرافات. كان صحفيًا شابًا يبحث عن قصة استثنائية تجعله مشهورًا. وعندما سمع عن أسطورة القطار، قرر أن يقضي الليل في المحطة المهجورة ليثبت للجميع أن الأمر مجرد أوهام.

وصل قبل منتصف الليل بساعة. كانت المحطة غارقة في الصمت، والجدران المتشققة تحمل آثار الزمن، بينما تصدر الرياح صفيرًا يشبه الهمسات. جلس على أحد المقاعد الخشبية المتهالكة وأخرج كاميرته، منتظرًا مرور الوقت.

عندما دقت الساعة الثانية عشرة، ساد صمت مطبق، ثم سمع صوت صفارة قطار بعيد. لم يكن الصوت عاديًا، بل بدا وكأنه يأتي من مكان لا ينتمي إلى هذا العالم. بعد لحظات، بدأت القضبان تهتز رغم أنها صدئة منذ سنوات، وظهر من بين الضباب قطار أسود ضخم بلا أي أضواء، سوى وهج أحمر خافت ينبعث من نوافذه.

توقف القطار أمامه ببطء، وانفتح أحد الأبواب من تلقاء نفسه. لم يكن هناك سائق، ولا أي شخص يرحب بالركاب. تردد سامي للحظة، لكن فضوله كان أقوى من خوفه، فصعد إلى الداخل.

كانت العربات قديمة جدًا، والمقاعد مغطاة بالغبار، لكن الغريب أن الركاب كانوا يجلسون في أماكنهم بصمت تام. وجوههم شاحبة، وملابسهم تنتمي إلى عصور مختلفة، وكأن كل واحد منهم جاء من زمن آخر. لم يرمش أحد، ولم يتحرك أحد، فقط كانوا ينظرون أمامهم بجمود مخيف.

جلس سامي بالقرب من النافذة، محاولًا تصوير الركاب، لكن شاشة الكاميرا أظهرت المقاعد فارغة تمامًا، رغم أنه كان يراهم بعينيه بوضوح. شعر بقشعريرة تسري في جسده.

تحرك القطار دون أي صوت للمحرك، وبدأت المناظر خارج النافذة تتغير بسرعة غريبة. لم تعد هناك أشجار أو مبانٍ، بل ظهرت أماكن لم يرها من قبل، ثم رأى منزله القديم، ووالدته وهي تناديه عندما كان طفلًا، ثم مشاهد من حياته نسيها منذ سنوات.

فجأة، جلس رجل عجوز بجواره. كان يرتدي زي موظف قطارات قديم، وعيناه غائرتين بشكل مرعب.

قال بصوت منخفض:
"هل تعرف لماذا لا يعود أحد من هذه الرحلة؟"

ارتبك سامي ولم يجد جوابًا.

ابتسم العجوز ابتسامة باردة وقال:
"لأن القطار لا يحمل الأحياء... بل يجمع الأرواح التي تأخرت عن موعدها."

ضحك سامي محاولًا إخفاء خوفه، لكنه توقف عندما نظر إلى انعكاسه في زجاج النافذة. لم يرَ صورته... بل رأى هيكلًا عظميًا يجلس في مكانه.

قفز من مقعده مذعورًا واتجه نحو الباب، لكنه وجده مغلقًا بإحكام. حاول كسر النافذة، لكنها كانت صلبة كالفولاذ. عندها بدأ الركاب يلتفتون نحوه ببطء، واحدًا تلو الآخر.

كانت وجوههم تتحول إلى أقنعة باهتة بلا عيون، ثم بدأت أفواههم تتسع بشكل غير طبيعي، وهم يرددون بصوت واحد:

"لقد تأخرت كثيرًا... لقد حان دورك."

صرخ سامي بكل قوته، لكن صوته اختفى داخل العربة، وكأن الجدران ابتلعته.

توقّف القطار فجأة عند محطة لا تحمل اسمًا. كان المكان مغطى بضباب كثيف، وعلى الرصيف وقف أشخاص يرتدون ملابس سوداء ويحملون فوانيس قديمة. فتح الباب ببطء، وشعر سامي بقوة خفية تدفعه إلى الخارج.

قاوم بكل ما لديه، لكنه سقط على الرصيف. وما إن حاول الوقوف حتى سمع صفارة القطار مجددًا، ثم انطلقت العربات واختفت داخل الضباب كما لو أنها لم تكن موجودة.

استيقظ سامي في صباح اليوم التالي بجوار القضبان القديمة. اعتقد في البداية أن كل ما حدث كان كابوسًا، حتى وجد في جيبه تذكرة قطار صفراء مكتوب عليها:

"رحلة واحدة فقط... بلا عودة."

عاد إلى البلدة وهو شاحب الوجه، ولم يخبر أحدًا بما رآه. لكنه منذ تلك الليلة لم يعد ينام إلا على صوت صفارة القطار، وكلما اقترب موعد منتصف الليل، كان يسمع طرقات خفيفة على باب منزله، وعندما ينظر من النافذة يرى القطار الأسود واقفًا في نهاية الشارع، وأحد أبوابه مفتوح، ينتظر راكبًا جديدًا.

وبعد عام كامل، اختفى سامي دون أي أثر. لم يجد رجال الشرطة سوى كاميرته ملقاة على مقعد المحطة المهجورة. وعندما فحصوا آخر تسجيل فيها، لم يظهر القطار، بل ظهر سامي وهو يقف وحده على الرصيف، يحدق في الفراغ، ثم يرتسم على وجهه رعب لا يوصف، قبل أن ينطفئ التصوير فجأة.

ومنذ ذلك الحين، أصبح سكان البلدة يحذرون الغرباء من الاقتراب من المحطة في ليلة ظهور القطار. ويؤكد البعض أنهم، عندما يمر القطار الأسود وسط الضباب، يرون وجهًا جديدًا يحدق من إحدى النوافذ... وجه شاب يحمل كاميرا، وعيناه تستغيثان في صمت، وكأنه لا يزال عالقًا في ليلة القطار الأخيرة.

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Moaz Zezo تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

7

متابعهم

11

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-