لقد إستيقظ الظل

الجزء الأول: بداية الجحيم
كان حي الصفصاف منسيًا، كأن المدينة نفسها تبرأت منه. الأزقة ضيقة، والمنازل متهالكة، والبرد في الشتاء كان يتسلل إلى العظام قبل أن يصل إلى الجلد.
وسط ذلك الحي كانت تعيش فتاة يتيمة تدعى مريم، لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها. لم تعرف يومًا معنى أن تجلس إلى مائدة مليئة بالطعام، أو أن تنام دون أن تفكر في كيفية تأمين وجبتها التالية.
بعد وفاة والديها بسنوات، لم يبقَ لها سوى غرفة صغيرة ذات سقف متشقق، تركها لها والدها. كانت تعمل في أي شيء تستطيع فعله؛ تنظيف البيوت، غسل الصحون، أو حمل الأغراض الثقيلة مقابل بضع عملات بالكاد تكفي لشراء الخبز.
بعد أشهر من البحث، وافقت السيدة نجلاء، صاحبة منزل كبير في أحد الأحياء الراقية، على تشغيلها.
قالت لها يومها ببرود:
“لن أدفع الكثير... وستأتين كل صباح لتنظيف المنزل والحديقة.”
أخفضت مريم رأسها وقالت بصوت خافت:
“شكرًا لكِ... سأفعل أي شيء.”
ابتسمت نجلاء ابتسامة ساخرة.
“أتمنى ذلك.”
---
كانت لدى نجلاء ابنة في السادسة عشرة تُدعى رنا.
جميلة... لكنها متكبرة بصورة لا تطاق.
كانت تعتبر مريم مجرد خادمة لا تستحق الاحترام.
كل صباح، ما إن تدخل مريم المنزل حتى تبدأ الإهانات.
“انظري إلى ملابسها... هل خرجت من مكب نفايات؟”
فتنفجر صديقاتها الثلاث بالضحك.
ريم كانت تلتقط صورًا لمريم خلسة، ثم ترسلها في مجموعة المدرسة مع تعليقات ساخرة.
أما سارة، فكانت تتعمد رمي العصير على الأرض بعد أن تنتهي مريم من تنظيفه، ثم تقول بابتسامة باردة:
“يبدو أنك لم تنظفي جيدًا.”
أما ياسمين، فكانت أكثرهن قسوة.
كانت تدفع مريم بكتفها كلما مرت بجانبها، وكأنها تتسلى بإذلالها.
---
في أحد الأيام، كانت مريم تنظف الحديقة الخلفية.
اقتربت رنا وصديقاتها.
قالت رنا وهي تعقد ذراعيها:
“لنلعب لعبة.”
سألتها ريم ضاحكة:
“وما هي؟”
أجابت:
“كل واحدة تدفعها مرة... ومن يجعلها تقع يحصل على المثلجات على حسابي.”
ساد الضحك.
اقتربت ياسمين أولًا ودفعت مريم بخفة.
كادت تفقد توازنها.
ثم جاءت سارة.
دفعتها أقوى قليلًا.
أما ريم، فأمسكت بدلو الماء وسكبته فوق رأسها.
وقفت مريم ترتجف من البرد، لكن لم تنطق بكلمة.
كانت تعرف أن كلمة واحدة قد تجعلها تخسر عملها.
ابتسمت رنا وقالت:
“دوري.”
دفعتها بكل قوتها.
تراجعت مريم خطوات إلى الخلف.
تعثر قدمها بجذر شجرة قديم.
ثم…
ارتطم رأسها بصخرة كبيرة كانت مخفية بين الأعشاب.
صدر صوت مكتوم.
وساد الصمت.
تجمدت الفتيات في أماكنهن.
بدأ الدم يسيل ببطء أسفل رأس مريم.
همست ريم وهي ترتجف:
“ر... رنا...”
اقتربت رنا بحذر.
حركت كتف مريم.
لم تستجب.
قالت سارة بصوت باكٍ:
“لقد... لقد ماتت؟”
صرخت ياسمين:
“لنذهب من هنا!”
ركضن جميعًا إلى داخل المنزل.
---
بعد دقائق، سألت نجلاء:
“أين الخادمة؟”
أجابت رنا بسرعة:
“شعرت بالدوار... وقالت إنها ستعود إلى منزلها.”
نظرت إليها أمها للحظة، ثم عادت إلى هاتفها دون اهتمام.
أما في الحديقة…
فكانت مريم ما تزال ملقاة على الأرض.
تتنفس بصعوبة.
حاولت رفع يدها.
لم تستطع.
كانت تشعر بالبرد يزداد.
حاولت أن تنادي.
لكن لم يخرج من فمها سوى أنين ضعيف.
بدأ المطر يهطل.
واختلطت قطراته بالدم.
---
مع حلول المساء، خرجت إحدى العاملات لإلقاء القمامة.
رأت الجسد.
صرخت بفزع.
ركضت نجلاء وابنتها إلى الحديقة.
تجمدت رنا عندما رأت مريم.
لكن نجلاء أمسكت بذراعها بقوة وهمست:
“إذا عرف أحد بما حدث... ستدخلين السجن.”
ارتجفت رنا.
قالت:
“ماذا سنفعل؟”
نظرت نجلاء نحو كوخ خشبي قديم يقع في آخر الحديقة، كان مليئًا بالأثاث المكسور والأغراض المهملة.
قالت بصوت بارد:
“سنخفيها.”
---
حملتا الجسد المرتخي بصعوبة.
وأدخلتاه إلى الكوخ.
كانت مريم ما تزال تتنفس…
ببطء شديد.
فتحت عينيها بصعوبة.
نظرت إليهما.
خرجت منها همسة بالكاد تُسمع:
“ساعدوني...”
تجمدت رنا.
لكن أمها دفعتها إلى الخارج.
ثم أغلقت باب الكوخ بقفل صدئ.
قالت ببرود:
“غدًا سنفكر في حل.”
ابتعدتا.
وبقيت مريم وحدها.
في الظلام.
كانت تسمع صوت المطر فوق سقف الكوخ.
وأنفاسها تضعف شيئًا فشيئًا.
أغمضت عينيها.
وللمرة الأخيرة…
سالَت دمعة واحدة على خدها.
ثم…
سكن كل شيء.
لكن…
بعد ثوانٍ…
اهتز الهواء داخل الكوخ.
وانخفضت درجة الحرارة بصورة مفاجئة.
بدأ الظلام في الزوايا يتحرك... ببطء.
كأنه يتنفس.
ثم خرج من بينه صوت أجش، لم يكن صوت رجل ولا امرأة:
“لقد انتهى الألم...”
“والآن... يبدأ الحساب.”
يتبع…