صرخات من الطابق الثالث: حكاية لن تتركك تنام وحدك

صرخات من الطابق الثالث: حكاية لن تتركك تنام وحدك
هناك بيوت تدخلها فتشعر بالراحة، وبيوت أخرى تطأها قدمك الأولى فتسمع في داخلك صوتًا خافتًا يقول: “اخرج الآن”. بيتنا هذه القصة لم يكن فخمًا، ولم يكن مخيفًا في البداية، بل كان يبدو مثل أي منزل قديم في حي هادئ، جدرانه متعبة، وسلالمه تصدر أنينًا خفيفًا عند كل خطوة، ونوافذه العالية تطل على شارع ضيق لا يمر به أحد ليلًا. لهذا السبب بالذات اشترته الأسرة بثمن رخيص، وهم يظنون أنهم وجدوا أخيرًا مكانًا يبدأون فيه حياة جديدة.
كانت الأم أول من لاحظ أن هناك شيئًا غير طبيعي. في الليلة الثانية، سمعت صوت طرق بسيط فوق السقف، رغم أن الطابق الثالث كان مغلقًا منذ سنوات. ظنت في البداية أنه هواء، ثم سمعته مرة أخرى، هذه المرة أوضح، كأن أحدهم يجر شيئًا ثقيلًا على الأرض. حاولت إقناع نفسها بأن البيت القديم يحتاج فقط إلى صيانة، لكن ابنها الصغير كان ينظر إلى أعلى السلم كل ليلة، ويقول بصوت لا يشبه صوته: “البنت هناك… بتبص علينا”.
ضحك الأب في البداية، واعتبر الأمر خيال أطفال. لكنه لم يضحك طويلًا. بعد أيام، بدأت أشياء غريبة تحدث داخل البيت. الأبواب تُفتح وحدها وتُغلق بهدوء، ومصباح المطبخ يومض في نفس الساعة تقريبًا كل ليلة، ثم ظهرت أول رسالة. كانت مكتوبة على ورقة صغيرة وُجدت داخل درج المطبخ:
“ما كانش لازم تيجوا.”
من هنا بدأ الرعب الحقيقي. لم تعد الأصوات تأتي من الطابق الثالث فقط، بل صارت تتنقل في أرجاء البيت كله. أحيانًا تسمعها الأم من الممر، وأحيانًا يسمعها الأب من الحمام، وأحيانًا يستيقظ الطفل ليجد باب غرفته مفتوحًا، ومقابله ظل طويل يقف بلا ملامح. لم يكن الظل يقترب، لكنه كان ثابتًا بشكل أكثر رعبًا من الحركة نفسها، وكأنه ينتظر أن يعتادوا عليه.
في إحدى الليالي، قررت الأسرة أن تصعد جميعًا إلى الطابق الثالث لتواجه ما يحدث. السلم كان أضيق مما يبدو عليه من الأسفل، والهواء في الأعلى كان باردًا على نحو غير مبرر. هناك وجدوا غرفة لم يروها من قبل، بابها نصف مفتوح، وداخلها مرآة كبيرة مكسورة من الطرف، وعلى زجاجها أثر كف صغير. وقف الطفل خلف أمه وبدأ يبكي، ثم قال: “هي هنا… مش عايزة حد يخرج.”
لم يرد الأب أن يصدق ما يسمع، لكنه رأى بنفسه شيئًا لم ينسه أبدًا. انعكس في المرآة وجه امرأة تقف خلفهم مباشرة، بشعر طويل يغطي نصف ملامحها، وعينيها مفتوحتين على اتساع لا يشبه البشر. استدار بسرعة فلم يجد أحدًا. وعندما عاد لينظر إلى المرآة، كانت المرأة تبتسم. ابتسامة قصيرة، باردة، كأنها تعرفهم جميعًا من قبل.
في تلك الليلة لم ينام أحد. سمعوا أصوات خطوات على السلم، ثم أصوات طرق على الجدران، ثم همسات تقول الاسم الأول لكل فرد في الأسرة. الأكثر رعبًا لم يكن الصوت نفسه، بل أنه كان يعرف أشياء لا يفترض أن يعرفها أحد. كان يذكر سرًا قديمًا، واسم الجدة، وموعدًا دفنوا فيه قريبهم قبل سنوات. كأن البيت لا يسكنه شبح فقط، بل ذاكرة كاملة قررت أن تستيقظ.
مع الفجر، اتخذت الأسرة قرار الهروب. خرجوا من المنزل بلا حقائب، بلا ملابس، وبلا أي رغبة في الالتفات خلفهم. لكن عندما ابتعدوا عن الشارع، سمعوا آخر صوت صادر من النافذة العليا، صوت امرأة يهمس من الظلام:
“كنتوا متأخرين… أنا هنا من قبلكم.”
بعد أسابيع، عاد بعض الجيران ليجدوا البيت صامتًا أكثر من اللازم. لا ضوء، لا حركة، لا أثر لحياة. لكن من يمر أمامه ليلًا كان يقول إن نافذة الطابق الثالث تضيء وحدها للحظات، ثم تنطفئ، كأن أحدًا ما يزال ينتظر في الداخل. وهناك من أقسم أنه رأى طفلًا يقف خلف الستارة، يراقب المارة دون أن يرمش.
وهكذا تحولت الحكاية إلى قصة يتناقلها الناس همسًا، لا لأنهم يؤمنون بكل كلمة فيها، بل لأنهم بعد سماعها صاروا يخشون شيئًا واحدًا: أن يكون الخوف أحيانًا أكثر واقعية من التفسير.
الخاتمة:
بعض البيوت لا تريد ساكنين، بل تريد من يوقظ ما بداخلها. وإذا سمعت ليلةً ما طرقًا فوق السقف من بيت قديم… لا ترد.