ضياع الهوية في الغربة: كيف ينسى المغترب وطنه وأهله؟

ضياع الهوية في الغربة: كيف ينسى المغترب وطنه وأهله؟

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

image about ضياع الهوية في الغربة: كيف ينسى المغترب وطنه وأهله؟

من مذكرات مغترب 

مرحبًا يا صديقي خالد، لك مني كامل السلام والاحترام.

كيف حالك يا صديقي؟ وكيف حال الغربة معك؟ لا أدري كم مضى من الوقت منذ آخر مرة تحدثنا فيها، فقد انقطعت أخبارك عني، بل وانقطعت أخبارك عن كل من يعرفك من أهل وأقارب وأصدقاء. وكلما سألت عنك، أخبروني أنك أصبحت مستقرًا هناك، وأنك حصلت على هوية البلد الذي اخترت أن تعيش فيه، وكأنك بذلك بدأت حياة جديدة تمامًا، حياة لا تمت بصلة إلى تلك التي تركتها خلفك.

آخر ما أتذكره عنك أنك بعد وفاة أمك لم يعد لك شيء، كما كنت تظن، في بلادنا. كنت تقول إن كل مكان فيها يذكرك بها، وإن الشوارع والبيوت والوجوه تحمل شيئًا من ذكراها، وإن العودة إليها تعني أن تفتح جرحًا تحاول منذ سنوات أن تغلقه.

وأنا أتفهم ألمك يا خالد، وأتفهم أن فقد الأم ليس أمرًا يمكن تجاوزه بسهولة. وأتمنى من قلبي أن تكون الغربة قد منحتك بعض السكينة، أو ساعدتك ولو قليلًا على تجاوز ذلك الألم. لكن هناك سؤالًا ظل يراودني طوال هذه السنوات: هل ساعدتك الغربة على نسيان ألم أمك فقط، أم ساعدتك أيضًا على نسيان أهلك وأصدقائك؟

يا خالد، لا تظن أن الحصول على هوية جديدة يعني أنك أصبحت إنسانًا آخر، أو أن الماضي قد انتهى بمجرد أن غادرت البلاد. الهوية التي تحملها في جيبك قد تتغير، لكن هويتك الحقيقية أعمق من ورقة أو جواز سفر. إنها ذكريات طفولتك، وبيتك الأول، ووجوه من أحببتهم، وصوت أمك، وأصدقاء شاركوك أيامًا لن تعود مهما ابتعدت.

قد تفارق البلاد أعوامًا، وقد تعتاد شوارع جديدة، وتتعلم لغة أخرى، وتكوّن أسرة، وتبني مستقبلًا مختلفًا، لكنك في لحظة ما ستشتاق. ستشتاق إلى أشياء ربما كنت تظن أنك نسيتها. وستكتشف أن الإنسان يستطيع أن يبتعد عن وطنه، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يقتلع وطنه من داخله.

وأنت الآن لديك زوجة وأبناء، وسيكبر أبناؤك يومًا ويسألونك: من أين جاء أبي؟ من هم أهله؟ أين وطنه الأول؟ وما قصة ذلك البيت الذي كان يعيش فيه؟ فماذا ستقول لهم حينها؟ هل ستخبرهم أن الماضي كان مؤلمًا، ولذلك قررت أن تمحوه بالكامل؟ أم ستخبرهم أن الإنسان لا يختار دائمًا ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يختار كيف يتعامل معه؟

يا صديقي، لا تجعل الحزن سببًا لقطع صلتك بكل شيء جميل تركته خلفك. لا تجعل وفاة أمك تحول بينك وبين بقية أهلك، فهي وإن غابت عن عينيك، فلا أظن أنها كانت ستتمنى لك أن تهجر إخوتك وأقاربك وأصدقاءك، أو أن تنسى المكان الذي احتضنك في بدايات حياتك.

ربما تقول لنفسك إن الابتعاد يساعدك على النسيان، لكنني أخشى أنك لا تنسى، وإنما تتناسى. وهناك فرق كبير بين الأمرين. فالنسيان رحمة قد تأتي مع الزمن، أما التناسي فهو أن نضع الذكريات في زاوية مظلمة، ثم نقنع أنفسنا بأنها لم تعد موجودة.

وقد تكون الغربة قد علمتك أشياء كثيرة، ومنحتك فرصة لبناء حياة أفضل، وهذا حقك تمامًا، لكن لا تجعل ما حصلت عليه هناك سببًا للتخلي عما كنت عليه هنا. يمكنك أن تحمل هوية بلد جديد، دون أن تفقد هويتك الأولى. ويمكنك أن تبني مستقبلًا مختلفًا، دون أن تهدم جسور الماضي.

وتذكر يا خالد أن العمر مهما طال قصير، وأن الإنسان مهما ابتعد فمصيره إلى لقاء. وفي يوم من الأيام سنلتقي جميعًا، ولن تكون قيمة الإنسان فيما حمله من أوراق أو هويات، وإنما فيما تركه من أثر في قلوب من أحبوه.

لذلك أكتب إليك اليوم لا لألومك، وإنما لأذكرك فقط: لا تجعل الغربة تنتصر عليك مرتين؛ مرة حين أبعدتك عن وطنك، ومرة حين أبعدتك عن أهلك ونفسك.

عد إلى نفسك قبل أن تبحث عن طريق العودة إلى وطنك. اتصل بمن اشتاقوا إلى صوتك، واسأل عن الذين ما زالوا يذكرونك، ولا تخجل من حنينك. فليس عيبًا أن تشتاق، وليس ضعفًا أن تبكي على من فقدت، وليس تخلفًا أن تحب المكان الذي ولدت فيه.

قد تكون حصلت على هوية جديدة يا خالد، لكن لا تسمح لها أن تجعلك تفقد هويتك الحقيقية.

صديقك المخلص
بشار

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Yahya alhosainy تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

18

مقالات مشابة
-