العمل التطوعي وأثره في حياة الإنسان: من إضاعة الوقت إلى صناعة الأثر

العمل التطوعي وأثره في حياة الإنسان: من إضاعة الوقت إلى صناعة الأثر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about العمل التطوعي وأثره في حياة الإنسان: من إضاعة الوقت إلى صناعة الأثر

حين ظننت أن التطوع مجرد وقت فراغ


كان مفهومي الأول عن العمل التطوعي بسيطًا جدًا؛ كنت أراه مجرد وسيلة لإشغال وقتي خلال فترة الإجازة، لا أكثر. لم أكن أدرك حينها أن ساعات قليلة أقضيها في مساعدة الآخرين يمكن أن تترك في داخلي أثرًا يستمر لسنوات.

بدأت حكايتي مع العمل التطوعي بصحبة أحد أصدقائي، الذي كان له الفضل في تشجيعي على خوض هذه التجربة. كنا ننتقل من جمعية خيرية إلى أخرى، ونبحث عن الأسر الأكثر احتياجًا، نحاول أن نعرف ما ينقصهم، ثم نعمل قدر استطاعتنا على توفير ما يحتاجونه.

وفي نهاية كل أسبوع، وتحديدًا يوم الجمعة، كنا نخرج في قوافل إلى هذه الأسر، حاملين معهم بعضًا مما يحتاجونه من ضروريات الحياة.

كانت الاحتياجات مختلفة من أسرة إلى أخرى؛ فهناك أسرة احتاجت إلى سقف يحميها، وأخرى لم يكن لديها سرير تنام عليه، فقمنا بتوفير سرير ومرتبة ولحاف. وهناك من احتاج إلى ملابس، ومن كانت ابنتها تستعد للزواج ولا تستطيع تحمل تكاليف تجهيزها، فكانت تجهيز العرائس غير القادرات أحد الأعمال التي شاركنا فيها.

وفي البداية كنت أظن أننا نحن من نقدم شيئًا لهؤلاء الناس، لكنني اكتشفت مع الوقت أن الأمر كان عكس ذلك تمامًا؛ فقد كانوا هم من يمنحوننا شيئًا لا يُشترى بالمال.

عندما فهمت معنى النعمة

مع تكرار الزيارات، بدأت أرى الأمور بطريقة مختلفة.

لم تعد المسألة بالنسبة لي مجرد تبرع أو مساعدة تنتهي بمجرد أن نغادر المكان، وإنما أصبحت تجربة إنسانية كاملة. أصبحت أسمع الدعوات التي تنهال علينا من أهل البيوت، وأرى الزغاريد التي تطلقها امرأة فرحًا بما وصل إليها، وأشاهد جارتها وهي تهنئها وتشاركها سعادتها.

كانت لحظات بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت عظيمة الأثر في نفسي.

كنت أعود إلى منزلي وأنا أفكر في أشياء كثيرة أعيشها بشكل طبيعي، بينما هناك أسر أخرى انتظرت سنوات حتى تحصل على واحدة من تلك النعم.

عندها قلت في نفسي: الحمد لله على ما أعطاني الله من نعم أستمتع بها كل يوم، بينما هناك بيوت لم ترَ بعضها إلا بعد سنوات طويلة من الانتظار.

أدركت أن الإنسان كثيرًا ما يعتاد النعمة حتى ينساها، ولا يعرف قيمتها إلا عندما يرى شخصًا آخر يحلم بها.

القوافل الطبية… تجربة مختلفة

ومن أعظم القوافل التي شاركت فيها كانت القوافل الطبية.

كانت الفكرة عظيمة في بساطتها؛ عيادات طبية تقدم خدماتها للمرضى مقابل مبلغ رمزي لا يتجاوز خمسة جنيهات، بينما كانت الصيدلية توفر الأدوية مجانًا.

ولم تكن هذه القافلة مجرد يوم عادي بالنسبة لي، بل كانت السبب الذي جعلني أشعر بمسؤوليتي تجاه العمل التطوعي بصورة أكبر.

كنت أحرص على أن أكون جزءًا من القافلة، حتى لو كان دوري بسيطًا جدًا، مثل الوقوف أمام إحدى العيادات وقطع التذاكر وتنظيم دخول المرضى.

تعلمت وقتها أن العمل التطوعي لا يقاس بحجم المهمة التي تقوم بها، وإنما بقيمة الأثر الذي تتركه خلفك.

فقد كنت أرى أطباء متميزين من تخصصات مختلفة يتطوعون بوقتهم وخبراتهم لخدمة الناس. وكان وجودهم بالنسبة لأهالي القرى أمرًا بالغ الأهمية، خصوصًا أن بعض الوحدات الصحية في تلك المناطق كانت محدودة الإمكانيات والخدمات.

كنت أرى المرضى يأتون بحثًا عن علاج، ويخرجون وقد وجدوا من يستمع إليهم ويطمئنهم ويوفر لهم الدواء الذي يحتاجونه دون أن يكون المال عائقًا أمامهم.

وهنا أدركت أن الصدقة ليست دائمًا مالًا.

قد تكون طبيبًا تقدم ساعة من وقتك، أو مهندسًا تستخدم خبرتك، أو شابًا يقف لتنظيم طابور، أو شخصًا يحمل صندوقًا، أو حتى إنسانًا يقرر أن يشارك بوقته وجهده فقط.

كل هذه الأشياء، مهما بدت صغيرة، يمكن أن تصنع فرقًا كبيرًا في حياة إنسان آخر.

أجمل ما في الصدقة أن ترى ثمرتها

وفي النهاية، إن كنت تمتلك من المال ما يكفي للزكاة والصدقة، فلا تتردد في مساعدة الجمعيات الخيرية الموثوقة التي تصل بأموال المتبرعين إلى الأسر المحتاجة.

لكنني أنصحك بشيء آخر من واقع تجربة عشتها بنفسي: لا تكتفِ بالتبرع، جرّب أن تكون متطوعًا أيضًا.

عندما تتطوع، ستشاهد بنفسك أين تذهب صدقتك، وسترى بيتًا تم ترميمه، وأسرة حصلت على ما تحتاجه، وعروسًا استطاعت أن تبدأ حياتها بما تيسر لها، وطفلًا ارتدى ملابس جديدة، وأسرة فرحت بلحاف يقيها برد الشتاء.

سترى بعينيك أن ما ظننته مجرد مبلغ صغير أو ساعة من وقتك، قد يعني بالنسبة لإنسان آخر الكثير.

وأجمل ما في العمل التطوعي أنك لا تمنح الآخرين فقط، بل تمنح نفسك أيضًا.

فأنت عندما تساعد إنسانًا، ستتعلم أن تشكر الله على ما تملكه، وستصبح أكثر تقديرًا للنعم التي اعتدت وجودها، وستدرك أن السعادة ليست دائمًا فيما نأخذه، وإنما قد تكون أعظم بكثير فيما نعطيه.

لذلك، إذا سنحت لك الفرصة يومًا أن تشارك في عمل خيري أو قافلة تطوعية، فلا تتردد.

اذهب مرة واحدة فقط.

قد تذهب وأنت تظن أنك ستساعد الآخرين، ثم تعود وقد اكتشفت أنك أنت من تعلّم الدرس الأكبر.

وأختم بنصيحة أقولها لكل إنسان: إذا استطعت أن تكون سببًا في فرحة شخص، فلا تؤجلها. وإذا استطعت أن تخفف عن محتاج، فلا تتردد. وإذا وجدت بابًا للعمل التطوعي، فادخله.

فوالله، من يذهب إلى العمل الخيري مرة، ويرى أثر ما يفعله في وجوه الناس، سيجد نفسه يريد أن يذهب في كل مرة.

فالعمل التطوعي ليس مجرد وقت تمنحه للآخرين، بل أثر تتركه في حياتهم، ونعمة تتعلم أنت قيمتها من خلالهم.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Yahya alhosainy تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

8

متابعهم

29

مقالات مشابة
-