الحجاج والحجام.. وعدٌ بالحديث انتهى بـ500 سوط!
الحجاج والحجام.. وعدٌ بالحديث انتهى بـ500 سوط!

تُروى في كتب الأخبار والنوادر حكايات كثيرة عن الحجاج بن يوسف الثقفي، بعضها يكشف شدة بأسه، وبعضها الآخر يكشف دهاءه وسرعة بديهته، ومن أطرف هذه الحكايات قصة عجيبة جمعته بأحد الحجامين، وكان فيها وعدٌ غريب انتهى بعقوبة لم يتوقعها الحجام والقصة ليست حقيقية أو ثابتة تاريخيا وإنما تروى على سبيل الطرف والنوادر.
فماذا حدث بين الحجاج والحجام؟ وكيف استطاع الحجاج أن يفي بوعده، وفي الوقت نفسه يجعل الحجام يندم على أنه طلب منه الحديث؟
بداية القصة بين الحجاج والحجام
تروي الحكاية أن الحجاج بن يوسف الثقفي كان عند حجام يقوم بحجامته، وكان الحجام منشغلًا بعمله، بينما دار بينه وبين الحجاج حديث.
وفي أثناء ذلك، وعد الحجاج الحجام بأنه سيحدثه عن خروج ابن الأشعث، وهي قصة مشهورة من أحداث ذلك العصر، وحلف له الحجاج على أنه سيفي له بهذا الوعد.
ولم يكن الحجام يتوقع أن هذا الوعد سيكلفه ثمنًا باهظًا، فقد ظن أن الحجاج سيقص عليه الحكاية كما يفعل الناس عادةً، فيجلسان ويتبادلان الحديث حتى تنتهي القصة.
لكن الحجاج كان له رأي آخر!
ماذا فعل الحجاج بعد انتهاء الحجامة؟
عندما فرغ الحجام من عمله، وغسل الدم، ظن أن دوره قد انتهى، وأنه سيجلس ليستمع إلى الحديث الذي وعده به الحجاج.
لكن المفاجأة كانت في انتظاره.
فقد أمر الحجاج بأن يُجلد الحجام خمسمائة سوط!
وهنا يمكن تخيل دهشة الحجام، فقد انتقل الموقف في لحظات من جلسة حجامة عادية إلى عقوبة شديدة لم يكن يتوقعها.
وبدأ الحجاج في تنفيذ ما أمر به، وأخذ يجلد الحجام، لكنه في الوقت نفسه بدأ يفي بوعده.
الحجاج يفي بوعده بطريقة لا تُنسى
أخذ الحجاج يقص على الحجام قصة ابن الأشعث بالتفصيل، وكان كل ذلك أثناء تنفيذ العقوبة.
فبينما كان الحجام يتلقى الضربات، كان الحجاج يحدثه عن القصة التي وعده بها، ويستمر في سرد أحداثها وتفاصيلها.
وهكذا وجد الحجام نفسه أمام موقف لا يُحسد عليه؛ فقد حصل بالفعل على ما طلبه، واستمع إلى القصة التي وعده الحجاج بها، لكنه دفع ثمن سماعها غاليًا جدًا!
واستمر الحجاج في حديثه حتى أتم القصة، وفي الوقت نفسه استوفى الحجام عدد الضربات التي أمر بها.
وبحسب الرواية، كاد الحجام أن يهلك من شدة ما ناله من الضرب.
"قد وفينا لك بالوعد"
بعد أن انتهى الحجاج من قصته، التفت إلى الحجام وقال له ما معناه إنه قد وفّى له بوعده.
ثم قال له:
"قد وفينا لك بالوعد، وأي وقت أحببت أن تسأل خبرنا مع غير ابن الأشعث أجبناك."
وهنا تظهر المفارقة الطريفة في القصة؛ فالحجاج لم يخلف وعده، بل نفذه حرفيًا.
لقد وعد الحجام أن يحدثه عن خروج ابن الأشعث، وقد حدثه بالفعل، بل إنه لم يكتفِ بذكر القصة سريعًا، وإنما قصها عليه بالتفصيل حتى انتهى منها.
لكن المشكلة أن الحجام لم يسأل نفسه قبل ذلك: متى وكيف سيفي الحجاج بهذا الوعد؟!
أين تكمن طرافة القصة؟
الطرافة في هذه الحكاية تقوم على المفارقة بين الوعد وطريقة الوفاء به.
فالحجام كان يريد أن يسمع قصة، وربما ظن أن الأمر سيكون جلسة ممتعة وحديثًا مسليًا، لكنه حصل على القصة في ظروف لم تكن تخطر له على بال.
أما الحجاج، فقد استطاع أن يجمع بين أمرين في وقت واحد: تنفيذ العقوبة، والوفاء بالوعد.
ولهذا تبدو نهاية القصة ساخرة؛ فبدل أن يفرح الحجام بأنه سمع القصة التي كان ينتظرها، أصبح على الأرجح يتمنى لو أنه لم يطلب سماعها من الأساس!
الحجاج والحجام.. درس في دقة الوعود
وبعيدًا عن قسوة العقوبة التي ترويها الحكاية، فإن فيها جانبًا طريفًا يتعلق بطريقة صياغة الوعود.
فالكلمات أحيانًا تكون لها أكثر من طريقة في الفهم، والإنسان قد يظن أنه فهم المقصود من وعدٍ ما، بينما يكون الطرف الآخر قد قصد شيئًا مختلفًا تمامًا.
وهذا تحديدًا ما جعل نهاية قصة الحجاج والحجام مثيرة للابتسام؛ فالحجاج لم يكذب في وعده، وإنما وفّى به بطريقة لم يتوقعها الحجام.
خاتمة القصة
تظل قصة الحجاج والحجام من الحكايات الطريفة التي تُروى في كتب الأخبار والنوادر، لما فيها من مفارقة غريبة بين الوعد والوفاء به.
فالحجام أراد أن يسمع حديث الحجاج عن ابن الأشعث، فحصل على ما أراد بالفعل، لكن الطريقة التي سمع بها الحديث جعلت الوعد يتحول إلى موقف لن ينساه طوال حياته!
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في القصة أن الحجاج استطاع في النهاية أن يقول للحجام بكل ثقة: لقد وفينا لك بالوعد.
وهكذا يتعلم القارئ من هذه القصة أن اللجاجة وكثرة الإلحاح والسؤال فيما قد يضر ولاينفع قد تفضي به إلى مهلكته
أو الإنسان لا ينبغي أن ينظر إلى الوعد من ناحية واحدة فقط، فقد تكون طريقة الوفاء به أهم من الوعد نفسه!