حمل كاذب كاملة أمانى سيد
حمل كاذب كاملة أمانى سيد

لما مرات جوزى الجديدة عرفت انى حامل عملت مشكله مع جوزى وقتها جه جوزى اتخانق معايا خناقه كبيره وبقى يقولى انى قاصده اعمل كده عشان اغيظها وانى لازم اكلمها واقولها انى مش حامل وإن قرايبنا فهمو غلط كلامه عصبنى جداً ورديت عليه بعصبيه ـ ايه المشكلة لما اكون حامل هو دى حاجة عيب واا حرام وافرض انى فعلاً حامل وقتها هتعمل ايه يعنى لقيته كلمنى بعصبيه اكتر ـ هتنزلى الطفل ده لو حامل انا أصلا كنت واعدها قبل الجواز انى ملمسكيش ومعنى إنك حامل انى اما كداب وبكدب عليهاعشان كده يا سهيله هتتصلى بيها دلوقتي وتقوللها انك مش حامل فضلت باصة له بصدمة مش مستوعبة اللي بيقوله، وحسيت إن الأرض بتلف بيا من البجاحة والقهر.
وقبل ما انطق بحرف واحد، لقيته قرب مني بخطوات سريعة وعيونه بتطق شرار، ومسك دراعي بعنــ,,ـــــف لدرجة حسيت إن عظامي هتتكسر في إيده.زعق في وشي بصوت هز أركان الشقة:ـ إنتِ فاكرة نفسك مين يا سهيلة؟! فاكرة إنك لما تحملي هتلوي دراعي ولا هترجعي لنفسك قيمة عندي؟ فوقي يا حبيبتي.. أنا لو عايز طفل يملى عليا حياتي، يبقى منها هي! عيل ييجي من الست اللي قلبي اختارها مش منك إنتِ!
إنتِ وجودك هنا أصلًا ملوش أي معنى غير لخدمة البيت وتربيه ابنك وخلاص، متعمليش فيها ست هانم وعايشة الدور.كنت بحاول أشد إيدي منه وأنا الدموع بتغلي في عيني، بس هو كمل كلامه بنبرة كلها سخرية واستهزاء يوجعوا في الصميم:ـ اسمعي الكلمتين دول وحطيهم حلقة في ودنك.. لو مسمعتيش الكلام ونزلتي البتاع ده ورجعتي كلمتيها واعتذرتي وقولتلهت انك مش حامل اصلا وان انا مالمستكيش من الاساس، قسماً بربي هاخد ابنك منك ومش هتشوفي وشه تاني، وهرميكي في الشارع بورقة طلاقك في نفس اللحظة! ولا تكوني ناسية إن الواد ده هو السبب الوحيد اللي مخليكي على ذمتي لحد دلوقتي وقاعد في بيتي مستحملك؟
!رمى إيدي باحتقار كأنه بيطرد حشرة من قدامه، وطلع تليفونه من جيبه ورزعه على الترابيزة قدامي وهو بيقول بنبرة باردة مليانة تهديد:ـ التليفون قدامك اهو.. ترفعي السماعة دلوقتي حالاً وتصلحي اللي هببتيه، يا إما تلمي هدومك وتطلعي من هنا بإيدك فاضية ومن غير ابنك، وساعتها فرجيني بقى الحمل ده هينفعك بإيه!سحبت إيدي من على التليفون فجأة، ووقفت بضهري مفرود وعيني في عينه بكل ثبات.
الصدمة والقهر اللي كانوا مسيطرين عليا اتحولوا لبرود تام لما شفت الرعب اللي مالي قلبه من زعل مراته الجديدة، لدرجة إنه مستعد يدوس على كل حاجة من غير حتى ما يتأكد من الحقيقة.بصيت له وضحكت ضحكة وجع ممزوجة بسخرية وقولت:ـ اطمن يا سيدي.. ريّح نفسك وارتاح من التمثيلية والرعب اللي إنت عايش فيه ده. أنا مش حامل أصلاً! ولا في حاجة في بطني، وكل الحكاية إن عمتك شافتني دايخة وتعبانة شوية، فرمت الكلمة دي قدام الناس وفهموا غلط، والخبر وصل لست الحسن والجمال زي النــ,,ـــــار في الهشيم.
ملامح وشه اتلخبطت وظهرت عليها علامات الدهشة وهو بيحاول يستوعب كلامي، بس أنا مسبتلوش فرصة ينطق وكملت بكل قسوة ووجع:ـ بس تعرف؟ الخناقة دي والغل اللي شفته في عينك كان أحسن حاجة حصلت.. عشان كشفت لي حقيقتك اللي كنت عامية عنها سنين. إنك عشان ترضيها مستعد ترميني في الشارع وتاخد ابني مني وت. روح متخلقتش أصلاً! متقلقش، مش هتصل بيها، ومش هعتذر، لأنك إنت اللي هتروح تجري تحت رجليها وتفهمها إنك كنت بريء من التهمة اللي خوفتك منها!فضل واقف مكانه مشلول مش عارف ينطق، عينيه بتتحرك في الأوضة بارتباك، بعد ما كانت مليانة تهديد وعنــ,,ـــــف.
كان عامل زي اللي أخد قلم فوقه من غيبوبة، بس بدل ما يخجل من نفسه، الكبر والغرور رجعوا ركبوه تاني عشان يداري موقفه البايخ.بلع ريقه وصوته طلع متردد شوية بس فيه نفس النبرة المتعالية:ـ وطالما إنتِ مش زفت، سايباني أحرّق في دمي ليه من الصبح وسايبة الخبر يلف العيلة كلها؟! كنتِ مستنية إيه؟ مستنية لما الدنيا تولع عشان تعملي فيها المظلومة الشريفة؟!ضحكت باستهزاء من طريقته اللي بيقلب بيها الترابيزة، وسحبت ابني في حــ,,ـــــضني وطبطبت عليه وأنا باصة له من فوق لتحت:ـ كنت مستنية أشوف أخرك.. كنت عايزة أعرف غلاوتي أنا وابني عندك قد إيه لما تتحط في اختبار، وطلعت رخيص أوي يا.
.. يا أبو ابني. إنت متستاهلش حتى إن حد يبرر لك، ولا تستاهل الست اللي صانتك سنين.مد إيده على الترابيزة وسحب تليفونه بعصبية وهو بيحاول يداري كسفته، وقال وهو بيلف ضهره وخارج من الأوضة:ـ حسابنا مخلصش يا سهيلة، ولمي لسانك ده عشان متشوفيش وشي التاني بجد! أنا خارج دلوقتي، ولما أرجع مش عايز أسمع نفس في البيت ده.رزع باب الشقة وراه بكل قوته لدرجة الحيطان اتهزت. أول ما خرج، رجلي مبقتش شيلاني، قعدت على أقرب كرسي وأنا بضم ابني لصدـ,,ـــري بكل قوتي، والدموع اللي حبستها نزلت زي الشلال، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف.
. كانت دموع بداية لنهاية كل حاجة كانت بتربطني بيه.نزل السلالم وهو بيغلي، ركب عربيته وطار بيها على شقة مراته الجديدة، وكل همه في اللحظة دي إنه يلحق يطفي النــ,,ـــــار اللي قادت هناك قبل ما تكبر. طلع ودخل الشقة بالمفتاح وهو بينهج، لقاها قاعدة في الصالة حاطة رجل على رجل، ملامحها باردة كالتلج ورافضة حتى تبص في وشه.
قرب منها بسرعة، قعد على ركبه قدامها ومسك إيديها الاتنين وهو بيتكلم بلهفة ورجاء:ـ حقك عليا يا قلبي، والله العظيم طلعت إشاعة وكدبة خايبة! أنا لسه نازل من عندها ومبهدلها، الحكاية كلها إنها تعبت شوية وعمتي طلعت الكلمة دي، وهي سكتت وموضحتش قاصدة تعمل حوار عشان تضايقك وتغيظك مش أكتر! دي كدابة ومفيش حمل ولا نيلة، أنا واعدك ومستحيل أخلف وعدي معاكي، إنتِ اللي في قلبي وعايز عيالي منك إنتِ.فضلت باصة له من فوق لتحت بنظرة كلها كبرياء وخبث، وسحبت إيديها من بين إيديه ببطء، ومردتش بابتسامة ولا عتاب عادي زي ما كان متوقع.
رجعت ضهرها لورا على الكنبة، وبصت في عينيه بكل هدوء وقالت بصوت واثق ومستفز:ـ ماشي يا حبيبي.. صدقتك إنها مش حامل وقاصدة تغيظني. بس طالما هي بتلعب بالألاعيب دي وكل شوية هتعملنا حوار وتوجع دماغنا، يبقى لازم نقطع عرق ونسيح دمه خالص عشان أضمن راحتي وميبقاش في مقارنات.بلع ريقه وسألها بقلق:ـ تقصدي إيه يعني يا حبيبتي؟ أطلقها؟ابتسمت ابتسامة ماكرة وهزت راسها بالنفي وقالت:ـ لأ، طلاق لأ.. أنا ميهمنيش وجودها
حمل كاذب 2
أمانى سيد
بس ابنها اللي مالي إيدك بيه ده هو اللي هييجي يعيش معايا هنا وأنا اللي أربيه بنفسي، وتخليها هي هناك من غيره، عشان تبطل حركات وتعرف حجمها كويس.. وإلا مش هتشوف وشي تاني!فضل متنح ومبرق فيها، الكلمة نزلت على دماغه زي المية الساقعة، ومكنش متخيل إن طلبها يوصل لدرجة إنها تاخد الولد من حــ,,ـــــضن أمه عشان تكسرها وتضمن سيطرتها عليه. بس قبل ما يلحق يستوعب الصدمة دي أو يرد بحرف واحد، لقاها بتعدل قعدتها وبتكمل كلامها بكل ثقة وتخطيط مدروس.
حطت إيدها على خده بنعومة مصطنعة ونبرة صوت هادية تداري السم اللي بتنقطه:ـ ومش بس كده يا حبيبي.. إحنا كمان مش هنستنى الحمل الطبيعي ولا هنسيب حاجة للظروف ولا للصدف. إحنا من بكرة الصبح هنحجز عند أكبر دكتور عشان نعمل حقن مجهري، ونحدد نوع الجنين من دلوقتي.. أنا عايزة تؤام ولدين يشيلوا اسمك ويعوضوك عن كل اللي فات.فتح عينيه بذهول وصوته طلع مبحوح من المفاجأة:ـ حقن مجهري وتحديد نوع؟
! بس يا حبيبتي إحنا لسه في أول جوازنا ومفيش أي مشكلة تمنع، إيه لزوم الدكاترة والعمليات دي كلها؟!ضاقت عيونها بحدة واتحولت نبرتها للتحذير والسيطرة:ـ لزومه إني عايزة كل حاجة تمشي على مزاجي وبترتيبي أنا! ولدين عِزوة يملوا علينا البيت، وتبطل هي تعايرك بابنها ولا تحس للحظة إنها مميزة عني بحاجة. ولدين مني يكسروا عينها وعين أي حد من أهلك فكر يقلل مني.
قامت وقفت قدامه وهي مربعة إيديها، وبصت له بنظرة قاطعة مفيهاش رجعة:ـ قدامك يا روحي.. يا تاخد ابنها وتجيبه هنا وتحجز لنا ميعاد الدكتور ونبدأ الخطوات، يا إما الباب يفوت جمل وساعتها مش هتشوف خيالي تاني في البيت ده.. ها، قولت إيه؟!وقف مكانه محتار وعينيه بتلف في الشقة، عقله عاجز عن التفكير بعد ما لقى نفسه محشور بين نــ,,ـــــارين: نــ,,ـــــار حبه وعشــ,,ـــــقه الأعمى ليها وخوفه إنه يخسرها، ونــ,,ـــــار الطلبات اللي بتطلبها واللي عارف إنها هتولع في الدنيا كلها.
بس ضعفه قدامها كان مسيطر عليه تماماً، ومقدرش يستحمل نظرة التهديد اللي في عينيها.قرب منها ببطء، ومسك إيديها الاتنين وباسهم وهو بيبلع ريقه بتوتر:ـ كل اللي تطلبيه وتتمنيه هيتحقق يا روحي.. اللي إنتِ شايفاه هو اللي هيمشي. ميعاد الدكتور هحجزه من بكرة الصبح عند أحسن مركز حقن مجهري في مصر، وأجمل تؤام ولدين هييجوا ينوروا بيتنا ويشيلوا اسمي، ومفيش مخلوق يقدر يزعلك ولا يقلل منك.
ابتسمت ابتسامة انتصار عريضة، عيونها بتلمع بخبث، بس سحبت إيدها وسألته بنبرة صارمة:ـ وموضوع ابنها؟ الولد هييجي هنا إمتى؟اتنهد بضيق وحاول يوزن كلامه عشان ميعصبهاش:ـ اديني بس يومين بالعدد.. أهدي النفوس وأرتب الحكاية عشان متعملناش فضيحة ولا تلم علينا العيلة. هجيبهولك لحد عندك هنا، ومش هخليها تحلم حتى بلمسته. المهم عندي دلوقتي إنتِ ورضاكي، ومتزعليش نفسك خالص.رجعت قعدت وحطت رجل على رجل بنشوة اللي كسب كل الجولات، وطلعت تليفونها وهي بتقول ببرود:ـ يومين بس يا حبيبي مش أكتر.
. وساعتها بقى نبتدي صفحة جديدة على طريقتي أنا، وتعرف سهيلة دي إن اللي بتلعب معاه مبيهزرش.في الوقت ده، كنت أنا في بيتي، قاعدة ضامة ابني اللي نام من كتر العياط في حــ,,ـــــضني، وقلبي مقبوض وبيدق بسرعة مش مفهومة، وكأن روحي كانت حاسة بالمصيبة والتخطيط اللي بيتدبر لي في الضلمة عشان يكسروا ضهري وياخدوا حتة من كبدي.مر اليومين وأنا عايشة في حالة قلق ميتوصفش، إحساس غريب كان عاصر قلبي ومخليني مش بنام ولا بدوق طعم الأكل. جوزي مكنش بيجي البيت خالص، وحتى لما كان بيتصل، نبرة صوته كانت باردة وفيها غموض يخوف.
كل اللي كان بيهمه إنه يسأل: "الواد جنبك؟ تمام، خلاص".وفي تالت يوم العصر، سمعت صوت المفتاح في الباب. دخل ووشه مفسرش، مفيش حتى السلام. دخل الأوضة وبدأ يلم شوية من هدوم ابني في شنطة صغيرة من غير ما ينطق بحرف، وعينيه متجنبة تبص في عيني تماماً.وقفت قدامه وضــ,,ـــــربات قلبي سريعة لدرجة إني حسيت إنها هتطلع من صدـ,,ـــري، وقولت بصوت بيترعش:ـ إنت بتعمل إيه؟
بتلم هدوم الواد ليه وموديه على فين؟!رد ببرود تام وهو بيقفل سوستة الشنطة وبيمشي ناحية الصالة:ـ الواد طالع معايا مشوار.. خليه يغير جو شوية، وكمان عشان يتعود على البيت التاني، هيقعد هناك يومين مع مراتي عشان يتعودوا على بعض.الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت إن الدم اتسحب من جسمي كله. جريت وراه ووقفت قدام الباب وحطيت إيديا الاتنين على الحلق لمنعه:ـ إنت بتقول إيه؟! تاخد ابني لمراتك التانية؟! ده على جثتي! إنت فاكرني همــ,,ـــــوت وأفرط في ضنايا بالساهل كده عشان ترضي الست هانم بتاعتك؟!بصلي بنظرة قاسية، ومسك دراعي وزقني بعيد عن الباب بكل قسوة وقال:ـ متعمليش نمرة فارغة يا سهيلة.
. الواد ابني وهيروح معايا بمزاجك أو غصب عنك، ومفيش قوة على الأرض هترجعك تقولي لأ، وابقي شوفي بقى مين هيقفلك في اللي جاي!زقته بكل قوتي اللي فضلت فيا وأنا بهستيريا وبصرخ، ووقفت بينه وبين الأوضة اللي فيها ابني، حسيت وقتها إن عندي طاقة تهد جبال لو قرب من ضنايا.بصيت في عينيه بعيون ملهاش أثر للضعف القديم وقولت بصوت يرعب من كتر الغضب:ـ اقسم بربي لو خطيت خطوة واحدة ناحية أوضة ابني، لهكون قالبه الدنيا عليك وعلى مراتك!
هصرخ وألم عليك الجيران والشارع كله وأفضحك قدام أهلك وأهلها، واطلع على القسم أعمل فيك محضر خطف وتبديد! إنت فاكرني الست الطيبة الغلبانة اللي هتدوس عليها برجليك وتاخد منها حتة من كبدها وتبقى ساكتة؟! فوق يا حبيبي، الأم لما بتحس بالخطر على ابنها بتتحول لوحش ياكلك ويكسر عينك وعين الست اللي مشغلاك لحسابها!اتصدم من رد فعلي ومن النظرة اللي في عيني، خطوة رجليه لورا بينت إنه مكنش متوقع القوة دي مني، وكان فاكر إني هقعد أعيط وأتوسل زي كل مرة.
وقف وهو بيبلع ريقه بعصبية وبيرزع شنطة الهدوم على الأرض وقال بنبرة كلها غيظ وتهديد عاجز:ـ بتعلّي صوتك وبتفضحيني يا سهيلة؟! ماشي.. اعتبري نفسك طالق بالتلاتة من اللحظة دي! وهشوف بقى المحاكم هتعملك إيه لما أرفع قضية ضم وأخليكي تلفي حوالين نفسك ومطوليش مليم واحد!رديت عليه بابتسامة سخرية ممزوجة بوجع العمر كله:ـ ألف بركة.. ورقتك دي هي النجاة ليا ولابني من العيشة مع واحد عديم الأصل والنخوة. والشرع والقانون معايا، وابني في حــ,,ـــــضني لحد ما يكبر ويشوف بعينه أبوه اللي رماه ورخص بيه عشان يرضي رغبات مراته الجديدة! الباب قدامك، اخرج ومشوفش وشك هنا تاني!
خرج ورزع الباب وراه برعشة غل حسيت بيها في جدران الشقة كلها، والسكوت اللي حل بعد قفلة الباب كان تقيل، بس كان أهدى بكتير من وجع الإهانة والتهديد. جريت بسرعة قفلت الترباس بالمفتاح، وسندت ضهري على الباب ونزلت على الأرض بالراحة، وأنا باخد نفسي اللي كان محبوس بقاله دقايق كأنها سنين.لقيت خطوات ابني الصغيرة بتقرب مني، وشه مليان دموع وخوف، قعد جنبي وحــ,,ـــــضني جامد وهو بيقول بصوت مخنوق:ـ هو بابا كان عايز ياخدني بعيد عنك يا ماما؟ إنتِ هتمشي وتسيبيني؟
ضميته لصدـ,,ـــري بكل عزمي، دفــ,,ـــــنت وشي في رقبته وبوست راسه وأنا بمسح دموعه وبقول بنبرة واثقة:ـ مستحيل يا حبيب قلب أمك.. محدش في الدنيا كلها يقدر يفرقني عنك ولا ياخدك من حــ,,ـــــضني طول ما فيا نفس. إحنا من اللحظة دي ملناش غير بعض، ومفيش خوف تاني خلاص.في الناحية التانية، كان هو نازل على السلالم زي المجنون، ركب عربيته ورزع الدركسيون بإيده وهو بيشتم في حظه وفي الموقف اللي اتحط فيه.
كان متخيل إنه راجع لمراته الجديدة بالولد ويثبت لها إنه الراجل اللي كلمته سيف، لكنه رايح لها بإيد ورا وإيد قدام ومعهوش غير خبر الطلاق اللي مبيرضيش غرورها أصلاً.وصل عندها وفتح الباب، لقاها مجهزة نفسها ولابسة ومستنية تشوف الغنيمة اللي طلبتها، لكن أول ما شافته داخل لوحده ووشه شاحب وعينيه في الأرض، ملامحها اتقلبت في ثانية وبرقت فيه بغضب:ـ إيه ده؟! فين الولد؟! اوعى تقولي إنك رجعت بإيدك فاضية وخوفت منها؟!
وقف مكانه مش عارف يودي وشه فين، والارتباك باين في كل حركة بيعملها وهو بيفرك في إيديه. قرب منها بخطوات بطيئة وحاول يبتسم بضعف عشان يمتص غضبها:ـ اهدى بس يا حبيبتي واسمعيني.. الحكاية مش خوف ولا حاجة، دي ست مجنونة كانت هتلم الشارع والجيران وتعمل فضيحة وقسم بولس، والولد كان هيترعب ويتعقد. أنا اتصرفت بحكمة، قطعت علاقتي بيها خالص ورميت عليها يمين الطلاق بالتلاتة وخلصت منها للابد!
بصت له من فوق لتحت بنظرة كلها احتقار وسخرية، وضحكت ضحكة صفرا حــ,,ـــــرقت دمه:ـ طلقتها؟! وإنت فاكر بكده إنك عملت إنجاز يعني؟! أنا قولتلك من الأول ميهمنيش طلاقها، أنا كان شرطي الولد يتربى تحت إيدي ويبقى معايا، وإنت أثبتلي إنك ملكش كلمة عليها، وطلعت قدامها ولا حاجة!اتنرفز من طريقتها اللي بتقلل منه وحاول يعلي صوته يدافع عن نفسه:ـ إنتِ بتكلميني كده ليه؟! أنا طلقتها عشانك، وخسرت بيتي وابني عشان أرضيكي! والقانون هيمشي، ومسألة وقت وأرفع قضية ضم واجيبلك الواد لحد رجلك، ومش هسيبهولها تلوي دراعي بيه!ربعت إيديها ودارت ضهرها ليه وقالت ببرود قاسي:ـ قضية ضم ومحاكم؟
يعني نقعد سنين نلف في المحاكم عشان تافهة زي دي؟! بص يا روحي.. طالما الحكاية كده، ميعاد مركز الحقن المجهري بكرة الصبح، تروح معايا وتدفع التكاليف من سكات، وتنسى موضوع ابنك ده خالص لحد ما تولدلي التوأم، وساعتها بس هقرر إذا كنت هكمل معاك ولا لأ!في الوقت ده، كنت أنا في بيتي، مكنتش قاعدة أندب حظي. مسحت دموعي، وقومت غيرت هدومي وهدوم ابني، ولميت أوراقي المهمة وشهادة ميلاده وقسيمة الجواز، وأخدت تليفوني ورنيت على محامي معرفة من العيلة، وعيني بتبص لابني بكل إصرار، وأنا ناوية أسبق بخطوة وأعلمهم هما الاتنين درس عمرهم ما هينسوه.
حمل كاذب 3
أمانى سيد
كلامها نزل على دماغه زي الميزان، لمعت في عينيه نظرة طمع وجبن، وحس إن كلامها فيه طوق النجاة لفلوسه ومظهره قدام الناس، متخيل إن كل حاجة هتمشي بالمسطرة والقلم زي ما خططوا في الضلمة.هز راسه بحماس ومسك إيدها وباسها وهو بيقول بنبرة خبيثة:ـ يخرب بيت عقلك.. مكنتش واخد بالي من الورطة دي كلها! صح، ترجع تتركن هناك تحت السيطرة لحد ما نقف على أرض صلبة ونعمل عمليتنا، وبعدها ابقى ارميها بورقة طلاقها في الوقت المناسب ومطولش مليم! أنا هبعت لها إنذار رجعة رسمي على يد محضر وأحطها قدام الأمر الواقع.
تاني يوم الصبح، كنت قاعدة في مكتب الأستاذ ممدوح المحامي، والورق كله مفروش قدامنا على المكتب، وبنشرب الشاي وأنا بحكي له كل تفصيلة بهدوء وتركيز عمري ما عشته قبل كده. كنت باصة للقايمة ومؤخر الصداق وكل وصل وأمانة معايا، وجوايا يقين إن الست لما بتقرر تاخد حقها بالقانون مفيش قوة تقف قدامها.المحامي ابتسم وهو بيقفل الملف وقال بثقة:ـ متقلقيش يا مدام سهيلة.
. إحنا كده مظبطين كل حاجة، قضية نفقة زوجية ونفقة صغار وأجر مسكن، وقضية تبديد منقولات زوجية بالقايمة اللي توديه في داهية وتعمل عليه حكم حبس لو فكر يماطل، ده غير تمكينك من الشقة لوحدك وبحكم محكمة مستعجل عشان إنتِ الحاضنة للولد.وانا لسه بقوم من على الكرسي، تليفوني رن، وكان البواب بتاع العمارة بصوته المهزوز:ـ يا مدام سهيلة، في محضر واقف تحت الشقة ومعاه ورقة بيقول إن الأستاذ جوزك باعتها، ومستني حضرتك عشان تستلمي إعلان رجعة لبيت الطاعة!
بصيت للمحامي وابتسمت ابتسامة هادية كلها ثقة وبرود، وقولت للبواب في التليفون:ـ خليه يستناني خمس دقايق يا عم إبراهيم، أنا جاية استلم بنفسي.. وقول له يجهز القلم، عشان الرد هيوصله أسرع مما يتخيل!وصلت العمارة بخطوات ثابتة وراسي مرفوعة لفوق، لقيت المحضر واقف مستني عند المدخل مع عم إبراهيم البواب. قربت منه بكل هدوء، استلمت الإنذار ومضيت عليه ببرود تام، وبصيت للورقة اللي متخيل إنه هيرجعني بيها حظيرته تاني ويكسر شوكتي عشان يوفر قرشين لمراته الجديدة.المحضر بصلي باستغراب من هدوئي، شكرته ومشيت، وطلعت شقتي وقعدت مع ابني وأنا بقرأ الإنذار كلمة كلمة وأنا بضحك في سري على غبائه، فاكر إن اللعبة هتفضل دايرة على مزاجه وميعرفش إن القانون بيحمي اللي يعرف يستغل حقه صح وميفرطش في كرامته.
تاني يوم على طول، كان الأستاذ ممدوح المحامي مقدم في المحكمة دعوى اعتراض رسمي على إنذار الطاعة، موضح فيها سوء عشرته وعدم أمانته وطردي من البيت، ومعاها دعوى نفقة زوجية ليا ونفقة لصغير تليق بدخله وتوجع جيبه، وطلب تمكين مشترك من شقة الزوجية بصفتي زوجة وحاضنة، ده غير إنذار رسمي بتسليم قائمة المنقولات الزوجية بالكامل لمنع أي تلاعب في عفشي.في نفس الوقت، كان هو قاعد مع مراته الجديدة في عيادة دكتور الحقن المجهري، ماليين الصالة غرور ومستنيين يحددوا بروتوكول العملية ويبدأوا خطوات التوأم، وفاكرين إنهم أمنوا ضهرهم وربطوني بإنذار الطاعة.
وهو قاعد حاطط رجل على رجل ومبتسم، تليفونه رن برقم غريب. رد بنبرة متعالية:ـ ألو.. مين معايا؟ـ ألو يا أستاذ وائل؟ معاك محضر محكمة الأسرة، بنبلغك بوجود دعوى اعتراض على إنذار الطاعة مرفوعة ضدك من زوجتك سهيلة، ومعاها قضايا نفقة زوجية وصغار، وإنذار رسمي بخصوص قائمة المنقولات الزوجية!الدم هرب من وشه فجأة، والتليفون كان هيقع من بين صوابعه، عيونه برقت برعب ولسانه اتقل، وبص لمراته اللي كانت بتبص له باستغراب وشك، وسألته بحيرة: "في إيه يا وائل؟
وشك اتخطف كده ليه ومين اللي على التليفون؟!"قفل الخط وهو حاسس إن ودانه بتصفر، والعيادة كلها بتلف بيه. بص لمراته الجديدة وهو بيبلع ريقه بصعوبة، وصوته طالع مهزوز ومخنوق:ـ السنيورة يا ستي.. مقدمة اعتراض على الطاعة ورافعة عليا قضايا نفقات وإنذار بقايمة العفش كلها!مراته رجعت ضهرها لورا واتبدلت ملامح الدلع لغضب أعمى وشرارة بتطق من عينيها:ـ اعتراض ونفقة وقايمة؟! يعني الخطة اللي رسمتها بوظتها بغبائك؟
! مش قولتلي إنها ملهاش ضهر وهتخاف وترجع تبوس إيدك؟!زعق بصوت واطي عشان الناس في العيادة، وهو حاطط إيده على دماغه:ـ وأنا هعرف منين إنها هتروح لمحامي وتعمل كل ده في يوم وليلة؟! دي بتطالب بنفقة زوجية ونفقة للواد بمبالغ تكسر الضهر، غير إنها حاطة القايمة في الزور!في اللحظة دي، نادت الممرضة عليهم تاني:ـ أستاذ وائل.. اتفضلوا للدكتور، وحضرتك محتاج تدفع مقدم العملية في الخزنة عشان نبدأ البروتوكول من النهاردة.بصت له مراته الجديدة بنظرة جامدة كلها طمع وقسوة، وقالت بصوت مفيش فيه ذرة رحمة:ـ قوم ادفع يا وائل.. ملكش دعوة بقضاياها دلوقتي، العملية دي هتتعمل يعني هتتعمل، وفلوسي وحلمي بتوأم مش هيضيعوا عشان خاطرها، اتصرف وادفع من حسابك اللي في البنك!
بص لها بذهول، كأنه أول مرة يشوفها على حقيقتها، وشاف الجشع اللي مالي قلبها وهي شايفة مصيبته ومش فارق معاها غير مصلحتها وفلوسها.وقف وهو متوتر، ومشي خطوتين ناحية الخزنة وطلع الفيزا وإيده بتترعش، وجواه نــ,,ـــــار بتاكل فيه وهو حاسس إنه بقى بين فكّين كماشة: مهدد بالحبس وخسارة كل مليم في المحاكم، ومربوط بست متطلبة مش شايفة فيه غير بنك متحرك يحقق لها رغباتها.دفع المبلغ المطلوب في الخزنة وإيده بتترعش، وكل مليم كان بيتخصم من حسابه كان بيحسه كأنه بينتزع من روحه.
الدكتور حدد لمراته جدول الحقن والمنشطات، وهي خارجة من العيادة طايرة من الفرحة ومبتسمة ابتسامة نصر، كأن الدنيا كلها ملك إيديها، ولا كأن الراجل اللي جنبها على شفا حفرة من الإفلاس والسجــ,,ـــــن.أول ما ركبوا العربية، بصت له ببرود وسألته:ـ هتعمل إيه بقى في المصيبة اللي سهيلة عملتها دي؟ لازم محامي شاطر يوقف المهازل دي فوراً، أنا مش هقبل إن نص فلوسك تروح لنفقات وقوايم وإحنا محتاجين كل قرش لولادي!رد عليها بنفاد صبر وخنقة مكتومة:ـ هشوف محامي.. هشوف محامي بكرة يلم الموضوع ده بأي شكل، إنتِ فاكرة القوايم والمحاكم دي لعب عيال؟! دي لو حكمت بحبس في القايمة هضيع فيها وأتسجــ,,ـــــن!
في نفس الوقت، كان الأستاذ ممدوح بيكلمني في التليفون بنبرة مريحة جداً:ـ اطمني يا مدام سهيلة.. موقفنا سليم مليون في المية، دعوى الاعتراض على الطاعة اتقيدت في الجدول ومعاد الجلسة اتحدد، ونزلنا بإنذار القايمة رسمي على يد محضر. هو دلوقتي قدامه خيارين ملهومش تالت؛ يا يسلّم العفش سليم بالشوكة والسكــ,,ـــــينة، يا إما هيدخل في دوامة جنحة تبديد وعقوبتها الحبس.قفلت التليفون وبصيت لابني اللي كان بيلعب بسلام في الصالة، وأول مرة من فترة طويلة أحس براحة نفسية حقيقية وسلام داخلي، حسيت إني استرديت هيبتي وكرامتي اللي كان ناوي يدوس عليها.عدت أيام قليلة، وبدأت مراته تاخد كورس الهرمونات والمنشطات المكثفة استعداداً لسحب البويضات، بس مع الهرمونات دي بدأ وائل يشوف وش تاني خالص؛
العصبية، والطلبات اللي مابتخلصش، والصوت العالي على أتفه الأسباب. وفي نفس اليوم اللي راح فيه يقابل محامي عشان يدافع عنه في قضايايا، المحامي صدمه بالواقع وقاله بالحرف:ـ موقفك القانوني ضعيف يا أستاذ وائل.. الاعتراض على الطاعة مدعوم بشهود على طردها وسوء العشرة، والقايمة مفيهاش ثغرة وممضية بيدك، والنفقة هتدفعها هتدفعها بحكم المحكمة وتحريات المباحث عن دخلك، مفيش مفر!رجع وائل شقة مراته الجديدة مهدود الحيل وضهره محني من الهموم، وأول ما فتح الباب، لقاها قاعدة قالبه وشها بسبب تعب الحقن، وبصت له وبدأت تزعق وتطالبه بمصاريف إضافية للتحاليل والأدوية. وقف قدامها يبصلها بذهول، والحسرة بتاكل في قلبه وهو بيفتكر سهيلة اللي كانت بتستحمل ظروفه الصعبة وتدعي له بالبركة، وبين الست اللي باع كل حاجة عشانها ومش شايفة فيه غير ماكينة فلوس ومصلحة!
زعقت في وشه وهي بتمسك بطنها بتمثيل وتأفف:ـ إنت واقف متنح كده ليه؟! روح انزل الصيدلية دلوقتي هات الحقن دي، دي تمنها بالشيء الفلاني والدكتور مأكد إنها لازم تتاخد في ميعادها بالدقيقة، ولا إنت ناوي تضيع تعبي والفلوس اللي اتدفعت في الأرض؟!بص للروشتة اللي رمتها في وشه بإهمال، لقى المبلغ المطلوب رقم يوجع القلب، ورصيده في البنك بينزف يوم بعد يوم. بلع ريقه وصوته طلع مخنوق ومكتوم:ـ حاضر.. نازل.نزل السلالم وهو حاسس إن رجليه تقيلة زي الرصاص، ركب عربيته وقعد فيها شوية يبص في الفراغ.
افتكر الأيام اللي كان يرجع فيها البيت يلاقي سهيلة مجهزة له اللقمة ومستنياه بابتسامة، تسأله عن تعبه وتدعي له بالرزق والصحة، وعمرها ما طلبت فوق طاقته ولا عايرته بقرش. المقارنة كانت بتكويه من جواه، بس كبرياءه الأعمى كان لسه مانعه يعترف لنفسه بالهزيمة.في الوقت ده، كان ميعاد أول جلسة في المحكمة بيقرب. الأستاذ ممدوح اتصل بيا وبلغني إن تحريات المباحث عن دخل وائل اتعملت بدقة، وجابت كل مصادر رزقه وعمله، والمحكمة استقرت على فرض نفقة مؤقتة محترمة ليا ولابني تتخصم من حسابه مباشرة.
المحامي بتاعه قعد معاه وفهمه الحقيقة الصادمة:ـ يا أستاذ وائل، القاضي حكم بالنفقة المؤقتة خلاص، وإنذار القايمة لو منزلتش تسلّم العفش في المعاد اللي حددته النيابة مع الخبير، هيتحول ضدك حكم بحبسك سنة مع الشغل والنفاذ، الحل الوحيد إنك تتنازل عن العناد ده وتروح تتصالح معاها بأي شكل وتخليها تسحب الشكاوى دي!خرج من عند المحامي وهو كأن حد صب عليه جردل تلج. لقى نفسه محاصر من كل ناحية: قضايا ونفقات وحبس بيهدده، ومن الناحية التانية مراته الجديدة بتزن على دماغه ليل ونهار بمصاريف الحقن وتجهيزات الولاد اللي لسه مجوش.في لحظة يأس، طلع تليفونه وإيده بتترعش، وكتب اسم "سهيلة" اللي كان ممسوح من حساباته، ورن عليا وهو بيمني نفسه إني هحن وأرجع الست الغلبانة اللي بيضحك عليها بكلمتين.
رن التليفون مرة واتنين، وفتحت الخط وسمعت صوته المهزوز لأول مرة وهو بيقول بلهجة مكسورة:ـ ألو.. سهيلة، إحنا لازم نقعد ونتكلم كفاية لحد كده!سمعت صوته المكسور في السماعة، وحسيت بنشوة انتصار باردة مفيهاش أي شماتة رخيصة، بل راحة إنسانة شافت حقها بيرجع لها خطوة بخطوة.رديت عليه ببرود تام وصوت هادي ومستقر:ـ نقعد نتكلم في إيه يا وائل؟ الكلام اللي كان بيننا خلص من اللحظة اللي رفعت فيها إيدك وهددتني بابني ورميت يمينك. المحاكم والورق هما اللي بيتكلموا دلوقتي.اتنحنح وصوته طلع فيه نبرة استعطاف مصطنعة:ـ يا سهيلة بلاش القسوة دي، العِشرة اللي بيننا متهونش برضه، والواد محتاج أبوه وميصحش نتبهدل في المحاكم كده وندخل الغرب بيننا.
كلامها نزل على دماغه زي الميزان، لمعت في عينيه نظرة طمع وجبن، وحس إن كلامها فيه طوق النجاة لفلوسه ومظهره قدام الناس، متخيل إن كل حاجة هتمشي بالمسطرة والقلم زي ما خططوا في الضلمة.هز راسه بحماس ومسك إيد…
. أنا غلطت وعصبيتي عمتني، تعالي نقعد ونتفاهم ونتصالح وتنزلي القضايا دي، وأنا مستعد أراضيكي باللي تطلبيه.ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية وقولت:ـ ترضيني بإيه؟ بنفقة ابني اللي المحكمة حكمت بيها؟ ولا بقايمتي اللي كنت ناوي تبلعها؟ ولا بالذل اللي كنت عايز تعيشني فيه عشان ترضي الهانم بتاعتك؟ إنت متصلش بيا عشان ندمان على كسر خاطري، إنت متصل عشان السكــ,,ـــــينة وصلت لرقبتك، والمحامي قالك إنك داخل على حبس وفلوسك بتطير!سكت ومردش، والسكوت كان كفيل يأكدلي إن كلامي جه في منتصف الجرح. كملت كلامي بكل حسم:ـ مفيش قعاد ومفيش تنازل يا وائل.
. حق ابني هتدفعه بالمليم، وعفشي هستلمه كامل، ورجوع ليك مش راجعة، ورقة طلاقي هتوصلني رسمياً من غير لف ودوران.. واقفل بقى عشان متضيعش وقتك، وروح الحق مواعيد حقن الست هانم عشان تجهز لمصاريف التوأم اللي هيفرحوك!قفلت السكة في وشه من غير ما استنى منه رد، ورميت التليفون على الكنبة وأنا بتنفس براحة كأن جبل انزاح عن صدـ,,ـــري.
في الناحية التانية، نزل وائل التليفون من على ودنه وهو بيحس بضيق في نفسه، لقى الدنيا بتضلم في وشه أكتر. رجع الشقة، وأول ما فتح الباب، لقى مراته الجديدة ماسكة اختبارات وأوراق تحاليل تانية، وبصت له من غير حتى ما تسأله ماله، وقالت بلهجة آمرة:ـ اتأخرت ليه بالحقن؟ وعموماً، الدكتور طالب تحاليل جينات متقدمة عشان نضمن صحة الأجنة الذكور، اجهز عشان تدفع تكلفتها بكرة الصبح، ومفيش وقت نضيعه!بص لها وائل وهو ساكت تماماً، عيونه كانت ميتة، وحاسس للمرة الأولى إنه بقى عبد لدوامة ملهاش نهاية، دوامة صنعها بغبائه وجبروته، ولسه الحساب الحقيقي في أوله.
قعد على الكنبة زي الجــ,,ـــــثه الهامدة، الكلمات عاجزة تطلع من حلقه، وبص للورقة اللي في إيدها اللي مكتوب فيها أرقام خيالية تانية تكسر الضهر. كان حاسس إن روحه بتتسحب منه بالبطيء، ورصيد البنك اللي تعب سنين يجمعه بيتبخر في الهوا بين طلبات متسلطة وقضايا محاكم ملهاش آخر.بص لها بعيون مليانة حسرة وضعف وسألها بصوت ميت:ـ تحاليل إيه تاني وفلوس إيه؟! إنتِ حاسة بيا أصلاً ولا شايفة أنا في إيه؟! المحكمة حجزت على جزء من مرتبي للنفقة، وإنذار القايمة لو متنفذش هتحبس، وإنتِ ولا هنا.. مفيش في لسانك غير ادفع وهات وسوي! هو أنا بنك متنقل؟!اتبدلت ملامحها في ثانية لغضب وبرود، ورمت الورقة على الترابيزة برعونة وقالت بصوت عالي:ـ وإنت بتصرخ في وشي ليه؟
! هو أنا اللي قولتلك تروح تتجوز وتخلف قبل ما تعرفني وتدبس نفسك في عيال وقوايم؟! إنت داخل على الجواز ده وعارف طلباتي، وموضوع التوأم ده كان اتفاقنا، مش ذنبي إنك مش قد مصاريف بيتك وعيلتك! اتصرف.. بيع عربيتك، استلف، اعمل أي حاجة، المهم عمليتي تكمل في ميعادها!الكلمات نزلت عليه زي الكرباج، وحس لأول مرة بمدى الخسة والندالة اللي اتعامل بيها مع سهيلة، اللي كانت بتوفر من مصروف بيتها عشان تريحه، وتقول له "ربنا يرزقك ويوسع عليك يا أبو ابني".
بص للست اللي قدامه وشاف فيها الوحش اللي هو صنعه بإيده لما رخص بأهله وبيته الأولاني.تاني يوم الصبح، مكنش قدامه حل غير إنه ينفذ حكم تسليم القايمة عشان يهرب من عقوبة الحبس. جه مع المحامي بتاعه وعربيات النقل قدام عمارة سهيلة، وشه في الأرض مش قادر يرفع عينه في عين بواب ولا جار.نزلت سهيلة ومعاها الأستاذ ممدوح ومحضر التنفيذ، واقفة بكل ثبات وعزة نفس، بتشرف على استلام كل مسمار في عفشها بالورقة والقلم. كان بيحاول يبص في عينيها يستجدي ذرة شفقة أو كلام، لكنها كانت بتتعامل معاه كأنه هوا، كأنه ملوش وجود من الأساس.
وبعد ما حملوا آخر قطعة عفش وخلص المحضر الإجراءات، وقفت سهيلة وبصت له من فوق لتحت، وقالت بابتسامة هادية كلها ثقة:ـ ده حق ابني وحقي رجع.. والورقة اللي باقية بيننا، المحكمة هتخلصهالي، عشان ميبقاش لاسمك أي أثر في حياتي تاني.لف وشه وركب عربيته مكسور ومذلول، ورجع شقته التانية وهو ملقاش حتى الراحة هناك، لقى البيت بارد، ومستنياه روشتات جديدة وفواتير وست بتعامله زي الغريب اللي بيدفع تمن إقامته.. وبدأت جدران الحفرة اللي حفرها لنفسه تضيق عليه، والدنيا تلف وتوريه إن اللي بيظلــ,,ـــــم ويبيع ضناه مبيكسبش في الآخر غير الخراب.
مرت الأسابيع تقيلة وكئيبة عليه، في حين إنها كانت بتمر عليا خفيفة ومليانة راحة بال وعوض من ربنا. نقلت عفشي في شقة صغيرة هادية على قدي أنا وابني، وبدأت أرتب حياتي من جديد من غير قلق ولا خوف من غدر ولا تهديد. النفقة كانت بتنزل في حسابي كل أول شهر بالمليم وبأمر المحكمة، ومبقتش محتاجة حتى أسمع صوته أو أشوف خياله.في الناحية التانية، كان ميعاد سحب البويضات لمراته الجديدة جه، ودخلت المستشفى وعملت العملية بعد ما دفع آخر مليم كان حيلته في البنك واضطر يستلف عشان يغطي مصاريف الأدوية والحضانة المعملية.
كان قاعد في استراحة المستشفى، عيونه غرقانة في التعب، ومستني يسمع الخبر اللي دفع تمنه كرامته وفلوسه وبيته.خرج الدكتور بعد ساعات، وشه مكنش مبشر بالخير خالص، وقرب من وائل اللي وقف بسرعة بلهفة:ـ خير يا دكتور.. طمني، كم جنين ذكور طلعوا معانا عشان نرجعهم؟!قلع الدكتور نضارته واتنهد وقال بأسف:ـ للأسف يا أستاذ وائل.. جودة البويضات بعد التنشيط المكثف مكانتش مناسبة، ومع الفحص الجيني المتقدم لتحديد النوع، مفيش أي أجنة ذكور صالحة للانقسام أو الزرع، والمحاولة دي فشلت تماماً.. محتاجين نوقف كل حاجة ونريح الرحم كذا شهر ونعيد من الأول ببروتوكول جديد.الكلمة نزلت على دماغه كأنها رصاصة؛
الفلوس طارت، والتعب راح في الهوا، ومفيش توأم ولا عيال!دخل أوضتها وهو ساند على الحيطة من الصدمة، بس أول ما فتح الباب وشافتها داخل، مكنتش بتعيط على تعبها ولا زعلانة على فشل العملية، أول كلمة نطقتها وهي بتصرخ فيه بغل:ـ دكتور فاشل ومستشفى زبالة! إنت استخسرت وجبتلي أرخص مركز! إنت السبب في كل اللي بيحصل ده! هتجمع فلوس من تحت الأرض وهنروح مركز تاني أكبر وأغلى من ده، وإلا ورقة طلاقي توصلي الليلة ومش هقعد معاك دقيقة واحدة!وقف وائل باصص لها والذهول شل كل حواسه، وفجأة ضحك بصوت عالي.
. ضحكة هستيرية مليانة مرار وقهر. بص في عينيها وقال بصوت كان هادي من كتر الوجع:ـ ورقة طلاقك؟ ده اللي همك؟! الفلوس خلصت يا هانم.. الرصيد صفر، ومرتبي محجوز عليه لنفقة ابني اللي رخصت بيه، وأنا على الحديدة!سكتت وبصت له باحتقار، وسحبت شنطتها من جنب السر,,ـــــير وقامت وقفت من غير حتى ما تراعي تعبها وقالت ببرود:ـ على الحديدة؟! يبقى ملكش لزمة عندي.. اللي يخليني أستحملك وإنت معاك فلوس، ميخلينيش أقعد معاك وإنت شحات ومتبهدل في المحاكم!
سابت الأوضة وخرجت ورزعت الباب وراها، وسابته واقف لوحده في وسط الأوضة الفاضية، محاصر بديونه وندمه وبحــ,,ـــــرقة قلبه. افتكر ابنه اللي كان في حــ,,ـــــضنه، وافتكر سهيلة اللي كانت تشيل عنه الهم برضا وحب، وأدرك بعد فوات الأوان إنه خسر كل حاجة.. خسر الست الأصيلة، وخسر ضناه، وخسر فلوسه، عشان سراب اسمه الطمع والغرور، وبقى قاعد بين أربع حيطان مبيسمعش فيهم غير صدى ذله وندمه اللي هيفضل يعيش معاه طول العمر.
مرت الشهور، وعجلة الزمن بتلف وتدور ومبترحمش حد كان ظالم ومفتري.أنا وابني بدأنا حياة جديدة بكل ما في الكلمة من معنى؛ الشقة بقت جنة صغيرة دافية، ضحكة ابني ملت الأركان، وسجلته في مدرسة كويسة، وبقيت بشتغل وبطور من نفسي، وحسيت إن ربنا نزع من قلبي أي أثر للوجع، وزرع مكانه رضا وراحة بال لا تتقدر بمال. حكم الطلاق للضرر صدـ,,ـــر رسمي والمحكمة حكمت بكل حقوقي ومؤخري، وبقى اسمي حر، ومبقاش بيني وبينه غير ورقة النفقة اللي بتنزل كل أول شهر تخصم من مرتبه بالمليم.
في الناحية التانية، كانت الدنيا اسودت تماماً في وش وائل. مراته الجديدة سابته ورفعت عليه خلع لما اتأكدت إنه مفلس ومبقاش معاه مليم، ومخدش منها غير الخراب والديون. باع عربيته عشان يسد مصاريف المستشفيات والديون اللي استلفها، وبقى رايح جاي على رجليه مكسور الضهر، عيونه تايهة وملامحه عجزت عشر سنين قدام في كام شهر.وفي يوم من الأيام، وأنا خارجة من باب مدرسة ابني وماسكة إيده في إيدي، وفرحانين بالشهادة والدرجات الحلوة اللي جابها، لمحت خيال راجل واقف بعيد تحت شجرة، لابس هدوم متبهدلة ووشه شاحب وعيونه غرقانة في الدموع.
كان هو.. واقف يبص على ابنه من بعيد، ومش قادر حتى يقرب خطوة واحدة من كتر الخزي والكسوف.الولد مخدش باله منه، لكن أنا عيني جت في عينه لثواني معدودة؛ ثواني شوفت فيهم كل معاني الندم والذل والانكسار اللي في الدنيا، شوفت راجل رخص بأهله وضناه عشان سراب، والنهاردة واقف على الرصيف ملوش أي وجود في حياة ابنه غير اسم في شهادة ميلاد بيسدد تمنه كل شهر وهو صاغر.مسكت إيد ابني وضغطت عليها بحب، ولفيت وشي عنه ومشيت بخطوات واثقة لقدام، من غير ما ألتفت ورايا ولا حتى أرمي عليه نظرة شفقة واحدة.. سبته واقف في مكانه، يحصد الشوك اللي زرعه بإيده، ويعيش بقية عمره مع العقاب الأكبر: إنه خسر الجنة اللي كانت بين إيديه، ومفضلش معاه غير الندم اللي بياكل في روحه لحد آخر يوم في عمره.