في هذا المقال

آخر رسالة من حبيبتي
كان يوسف يحب مريم منذ سنوات.
لم تكن قصة حب عادية؛ فقد بدأت منذ أيام الجامعة، عندما كانت تجلس في المقعد المقابل له داخل المكتبة، تقرأ الكتب نفسها التي يحبها، وتبتسم كلما التقت عيناهما.
مرت السنوات، وأصبحا أقرب من أي وقت مضى.
كان يوسف قد وعدها بالزواج بمجرد أن تتحسن ظروفه، وكانت مريم تنتظره بصبر.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان يوسف يستعد للنوم، وصلته رسالة منها:
“يوسف… سامحني. لا تبحث عني.”
اتصل بها فورًا.
الهاتف مغلق.
أرسل عشرات الرسائل، لكن لم يصل أي رد.
في صباح اليوم التالي، ذهب إلى منزلها، فاكتشف أنها غادرت مع عائلتها دون أن تخبره.
لم يفهم شيئًا.
بحث عنها لأيام، ثم لأسابيع، ثم توقّف.
مرت سنة كاملة.
وفي الذكرى الأولى لاختفائها، وصلته رسالة من رقم مجهول:
“إذا كنت تريد معرفة الحقيقة، اذهب إلى محطة القطار القديمة الساعة العاشرة مساءً.”
ذهب يوسف رغم خوفه.
كانت المحطة شبه مهجورة، والبرد يملأ المكان.
وبعد دقائق، ظهر رجل عجوز يحمل حقيبة سوداء.
قال له:
— أنت يوسف؟
— نعم.
أعطاه ظرفًا أبيض.
— مريم طلبت مني أن أعطيك هذا إذا مر عام كامل ولم تتزوج.
ارتجفت يد يوسف.
فتح الظرف، فوجد رسالة بخط مريم.
“يوسف، إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني فشلت في نسيانك.”
توقّف عن القراءة للحظات.
ثم تابع:
“أنا لم أتركك لأنني لم أحبك. تركتك لأنني أحببتك أكثر مما ينبغي.”
بدأت دموعه تنزل.
ثم قرأ الجملة التي جعلت قلبه يتوقف:
“أنا مريضة، والمرض الذي معي لا يترك لي الكثير من الوقت.”
لم يصدق.
بحث عنها من جديد، حتى وصل إلى مستشفى في مدينة بعيدة.
وهناك عرف الحقيقة.
مريم كانت مصابة بمرض خطير، وقد علمت قبل عام أن أمامها أشهر قليلة فقط.
لكن المفاجأة لم تكن مرضها.
المفاجأة أن الطبيب أخبره أنها كانت ترفض العلاج في البداية لأنها كانت تريد توفير المال لوالدها المريض.
وقتها شعر يوسف أن الأرض اختفت من تحته.
جلس في ممر المستشفى، يبكي كطفل.
ثم ظهر الطبيب وقال:
— هل أنت يوسف؟
أومأ.
— مريم طلبت مني ألا أخبرك بشيء إلا بعد وفاتها.
رفع يوسف رأسه بسرعة.
— وفاتها؟
صمت الطبيب لحظة، ثم قال:
— مريم توفيت منذ ثلاثة أيام.
لم يستطع يوسف التنفس.
ثلاثة أيام فقط.
ثلاثة أيام كان يبحث فيها عن إجابة، بينما كانت هي قد رحلت.
لكن الطبيب أعطاه شيئًا آخر.
كان هاتفها.
قال:
— هذه آخر رسالة كتبتها لك، لكنها لم تستطع إرسالها.
فتح يوسف الهاتف.
وجد الرسالة:
“يوسف… إذا وصلت إليك هذه الكلمات، فلا تبحث عني. أريدك أن تتزوج، وأن تعيش، وأن تضحك من قلبك مرة أخرى. لا تجعل موتي عقابًا لنفسك.”
ثم ظهرت جملة أخيرة:
“هناك شيء واحد فقط أخفيته عنك طوال هذه السنوات…”
توقف يوسف.
قرأ السطر التالي، فانهار تمامًا:
“الطفل الذي كنت تظنه أخي الصغير… كان ابنك.”
تجمد يوسف.
الطفل الذي كان يراه في صور مريم.
الطفل الذي كانت تقول له إنه ابن أخيها.
كان ابنه.
وفي أسفل الرسالة كتبت:
“لم أخبرك لأنني كنت أعرف أنك ستترك كل شيء من أجلي… وأنا لم أرد أن أرى حياتك تنتهي معي. لكن إن كنت تقرأ هذا الآن، فاذهب وابحث عن ابننا. قل له إن أمه أحبّت والده أكثر من أي شيء في العالم.”
ظل يوسف جالسًا على الأرض، والهاتف في يده.
كان يظن أنه فقد حبيبته.
لكنه اكتشف في ليلة واحدة أنه فقد سنوات كاملة كان يمكن أن يعيشها معها… وأن لديه طفلًا لم يعرف يومًا أنه ابنه.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح يوسف يزور قبر مريم كل أسبوع.
وفي كل مرة كان يصطحب ابنه معه.
وكان الطفل يسأل دائمًا:
— بابا، ماما كانت بتحبني؟
كان يوسف يبتسم رغم دموعه ويقول:
— مامتك كانت بتحبك لدرجة إنها ضحت بحياتها عشان تشوفك سعيد.
ثم ينظر إلى قبرها ويهمس:
— لكني كنت أتمنى لو تركتِ لي فرصة واحدة… كنت سأختارك أنتِ، حتى لو كان الوقت قصيرًا.
وهكذا انتهت قصة حب لم يكن أكثر ما يؤلم فيها هو الموت… بل أن الحب كان موجودًا طوال الوقت، بينما الحقيقة تأخرت كثيرًا.
تابع جديد محمود محمود
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق