رواية ختم الازمان : الفصل الثاني: سر ما كُتب في الأجندة
---
# 📚 الفصل الثاني: سر ما كُتب في الأجندة
---
### **[ المشهد الأول: ملكية الأوراق والأجندة السوداء – بداية المطاردة ]**
بعد أسبوع كامل من نفس الكابوس اللي بيتعاد زي شريط بايظ في فيديو قديم، حسن شاهين بقى ماشي في البيت بجسمه بس.. ودماغه في حتة تانية خالص، غرقانة في رمل الصحراء المجهولة دي.
ينام ساعتين متقطعين، يصحى مفزوع وصدره يعلو ويتهد. يقوم ببطء، يشرب بق مية ساقعة عشان يبل ريقه الناشف، يرجع السرير، يغمض عينه، يجيله نفس النداء المرعب.. فيقوم تاني.
وفي كل مرة، كان بيحاول يضحك على نفسه بجملة علمية باردة يكررها في سرّه:
*"ده مجرد توتر عصبي.. إرهاق شغل.. ضغط مخ ومش أكتر."*
بس لغة جسمه كانت فاضحاه تماماً؛ عينيه الغرقانة جوه وشها، الهالات السودا اللي وسعت تحت جفونه، وارتعاشة صوابعه الخفيفة وهو ماسك كسر المية.. كل حاجة فيه كانت بتقول إن جسمه مش مقتنع، والبيت كله بقى حاسس بتقل الغيمة دي.
داليا كانت بتراقبه من بعيد. عينيها رايحة جاية بين وشه الشاحب وإيديه اللي بتترعش. بتحاول متضغطش عليه بأسئلتها، بس الصمت بقى أتقل من إنه يتسكت عليه.
في ليلة من الليالي، وهو قاعد على طرف السرير بيفرك وشه بإيديه الاثنين بخلل وعصبية لحد ما بشرته احمرت، قطعت صمته بنبرة فيها هزار متصنع ومخلوط بخوف حقيقي:
"حسن.. أنت بقيت بتخاف من النوم ولا إيه؟"
حسن خد نفس مكسور، وتنهد بصوت طالع من قاع صدره. مبصلهاش بشكل مباشر، بل فضل باصص للبلاط تحت رجليه:
"مـ.. مش بخاف يا داليا.. بس.. بس النوم بقى مش بيخلّصني.. النوم بقى هو المشكلة أصلًا."
داليا قربت خطوة، وحطت إيدها على كتفه المشدود زي الوتر:
"طب جربت تسيب شغل الوزارة والمحاضرات يومين ثلاثة؟ ترتاح؟"
حسن هز راسه ببطء وجمود، وشفايفه الناشفة بتتفرد بصعوبة:
"حتى لو سبت الشغل كله.. الحلم.. الحلم مش هيسيبني."
سكت فجأة. انقطع الكلام في زوره كأنه غص بفرط ريقه. جمدت عينيه لثواني في فراغ الأوضة، وبعدين قام مرة واحدة بحركة مفاجئة خليت داليا ترجع لورا خطوة.
عدّى من جنبها بخطوات سريعة ونزل على مكتبته الخاصة—الأوضة الصغيرة اللي عاملها مملكته وسياجه العازل عن العالم.
جوه المكتبة، كانت الريحة خليط من ورق البردي القديم، حبر الطباعة، والتراب الناعم. رفوف متراصة بحجم الحيطة فيها كتب الحفائر، ترجمات النصوص الهيروغليفية، خرائط الأقصر، وكتالوجات المتاحف.. وكمية نوتس وورق متكوم في كل ركن كأنها حياة كاملة متعجنة في ورق.
وقف حسن في نص الأوضة. غمض عينيه لثانية، وسمع صوت نفسه المضطرب. فتح عينيه وبص للرفوف، وبعدين همس لنفسه بنبرة خفية ومصممة:
"التكرار ده.. التكرار ده عمره ما كان صدفة.. لو دي رسالة فعلاً، يبقى لازم أمسكها وأسجلها قبل ما تِفلت من دماغي."
فتح درج خشب كبير، وطلع منه أجندة قديمة من بتوع محاضراته. قلب أوراقها المستعملة بسرعة، ورماها على المكتب بحركة عصبية.
حسن (في سرّه وهو بيفرك جبهته): *لا.. دي مش نافعة خالص.. أنا محتاج حاجة نظيفة.. حاجة مقفولة ومخصوصة للموضوع ده وبس.*
نزل من الشقة فوراً من غير ما يشرح لداليا كلمة واحدة. راح لأقرب مكتبة أدوات مكتبية في الشارع. اشترى أجندة غلافها من الجلد الأسود المقوى، ثقيلة، ومزودة بقفل معدني صغير ومفتاحين.
وهو راجع في الاسانسير، كان ضاغط على الأجندة ببطن كفه، كأنه ماسك دليل قضية خطيرة خايف يتسرق منه.
دخل بيته، اتجه للمكتبة فوراً، ودار المفتاح في قفل الباب الداخلي عشان يستقل بنفسه.
قعد على كرسيه، حط الأجندة قدامه، فتح القفل الصغير بصوت "تكة" معدنية حادة، وسحب قلم حبر أسود. في الصفحة الأولى، وبخط كبير وحاد، كتب:
**"مش هعتبره حلم.. غير لما يثبتلي بنفسه إنه حلم."**
وبدأ يكتب تفاصيل كل ليلة بدقة جراح:
* **الساعة كام نام؟**
* **الساعة كام صحى مفزوع؟**
* **وصف الصحراء والرمل البارد.**
* **معالم القصر الذهبي والرموز اللي بتتحرك على الجدران.**
* **النص الصوتي المرعب اللي بيتردد جوه دماغه.**
* **ولمعة العينين الصفرا اللي شافها خاطفة في ركن الأوضة.**
ومكتفاش بالحقائق، بدأ يكتب إحساسه كمان، لأن الإحساس بالنسبة لرجل علم بقى دليل مش أقل أهمية عن الأثر المادي:
*"الإحساس مكنش رعب من كابوس عادي وخلاص.. الإحساس القاطع إن فيه كيان غريب.. بيستدعيني بالاسم."*
يوقف القلم فجأة. حسن يمسك عن الكتابة، يبلع ريقه بجفاف وصوت مسموع، وينظر للورق.. وبعدين يلف رأسه ببطء ناحية أركان المكتبة المظلمة، مستني يشوف حركة أو يلمح طيف.
وفجأة.. خبطت على الباب طرقتين خفاف.
حسن اتنفض في مكانه، والقلم عمل نقطة سوداء مكثفة على الصفحة.
---
### **[ المشهد الثاني: طرقة على الباب وسؤال يوسف – جدار التوتر ]**
حسن (بصوت متقطع ومكتوم): "مـ.. مين؟"
صوت يوسف جه من ورا الباب الخشب، ناعم وبسيط:
"بابا.. ده أنا.. أنت بتكتب إيه كل شوية وجايب أجندة جديدة ليه؟"
حسن توتر جداً. بص للأجندة المفتوحة، وبص للباب. قفل الأجندة بسرعة، ودار المفتاح في قفلها الصغير، وأخفاها تحت شوية مجلات أثرية على المكتب.
قام، فتح الباب فتحة صغيرة، ووقف عند الإطار يحجب الرؤية بجسمه. حاول يبتسم، بس ابتسامته طلعت مهزوزة ومطحونة.
حسن (وهو بيتهته في بداية الكلام): "حـ.. حاجات شغل يا يوسف.. أبحاث جديدة للكلية.. تعال بكرة هحكيلك عنها."
يوسف بص له بعينين طفل ذكي، وتوقف عند وش أبوه المجهد:
"طيب يا بابا.. بس.. بس متسهرش كتير عشان شكلك تعبان قوي."
حسن ضحك ضحكة قصيرة جافة مفيهاش أي فرح:
"حاضر يا بطل.. حاضر."
ولما يوسف مشي واختفت خطواته، حسن قفل الباب واستند بضهره عليه. غمض عينيه، وافتكر فوراً كلامه مع يوسف عن رسم الخرطوشة والأسماء، وإزاي الولد بيسأل أسئلة هيروغليفية أكبر من سنه.
حس بوخزة باردة في نص صدره.
*أنا ليه كل تفصيلة صغيرة بقت بترجعني لنفس النقطة؟ ليه كل حاجة بقت مشبكة في بعضها بالشكل ده؟*
---
### **[ المشهد الثالث: الصراع مع العقل – لغة نابعة من الداخل ]**
مرت ثلاثة أيام كمان، والحلم ثابت زي المسمار في الحيطة.
حسن بقى حافظ التفاصيل؛ بقى عارف اللحظة اللي الرمل سيهتز فيها، واللحظة اللي الباب الذهبي هيتفتح فيها، واللحظة اللي هينطلق فيها الصوت بنفس النبرة الكهنتية.
وده تحديداً كان الجزء المرعب في الموضوع.. لأن أشد درجات الرعب مش الخوف من المجهول، بل لما حواسك تتعود على الرعب وتستناه!
في صباح يوم، كان قاعد في مكتبه، بيقلب الصفحات اللي كتبها في الأجندة السوداء. استوقفته ملاحظة كتبها بيده إمبارح، فنَفَسه اتحدد.
الجملة اللي بتيجي في الحلم بلغة فرعونية قديمة ونادرة، ومع ذلك، هو مش بيفتح القاموس عشان يفك رموزها.. هو "بيفهمها" فوراً بمجرد ما يسمعها!
حط القلم على الترابيزة، وشعر ببرودة في أطراف صوابعه.
اتكلم بصوت خفيض ونبرة مرتعشة:
"أـ أنا المفروض أترجم.. أفك الرموز.. أحلل القواعد والمفردات.. إنما اللي بيحصل ده.. فهم مباشر ومفاجئ! كأن اللغة دي مش مادة بدرسها بره.. كأن اللغة دي مستقرة جوه دماغي من زمان!"
قام من الكرسي بحركة عصبية، فتح اللابتوب، وبدأ يدور على تفسيرات طبية ونفسية:
*(اضطرابات النوم الجسيمة - الهلوسات السمعية والبصرية أثناء النوم - اضطراب شلل النوم الهستيري..)*
قرا أبحاث كتير، وكل ما يتعمق في القراءة، كان بيحس بضيق أكبر؛ لأن اللي بيحصل معاه مش داخل في أي تصنيف طبي أو عقلي معروف.
قفل شاشة اللابتوب بعصبية خفيفة عملت صوت حاد. وقف قدام رفوف الكتب الضخمة، وبص لها بقلة حيلة، وبعدين قال بهمس قاطع:
"تمام.. ماشي.. هنتعامل مع الموضوع كأنه ظاهرة مش مسجلة.. مش مرض عقلي."
---
### **[ المشهد الرابع: القفل المقفول.. واليد الخفية اللي كتبت! ]**
في الليلة دي، وقبل ما ينام، دخل مكتبته.
فتح درج المكتب، طلع الأجندة السوداء، وكتب سطر جديد في نهاية الصفحة:
**"لو اتكرر الكابوس النهاردة بنفس التفاصيل والحروف.. يبقى فيه حاجة خارجية بتطاردني وعايزة تثبت نفسها بالعافية."**
قفل الأجندة، دار المفتاح الصغير في قفلها الحديدي لحد ما سمع صوت الإغلاق، حط الأجندة في قاع الدرج الخشب، وقفل الدرج بالمفتاح الخاص بتاعه، وحط المفتاح في جيبه.
وهو بيلف عشان يخرج من الأوضة.. سمع صوت خفيف جداً.
**"تِك."**
صوت حركة خفيفة جداً، كأن حاجة خشب أو معدن اتحركت ميليمتر واحد جوه الأوضة الساكنة!
لف حسن بسرعة، وعينيه متسعة تماماً.
أنفاسه تسارعت، وجسمه اتشد مستني شبح أو كائن.
بس الأوضة كانت فاضية تماماً.. الورق ساكن، والكتب مصفوفة.
ضحك على نفسه ضحكة عصبية باهتة، وإيده بتفرك رقبته المبلولة بالعرق:
"هـ.. هه.. يا سلام عليك يا حسن.. بقيت بتهلوس وتتخيل حاجات في الفراغ؟"
طفى نور المكتب، خرج، وقفل الباب وراه.
---
وتكرر الكابوس.
نفس الصحراء الباردة.. نفس القصر الذهبي الحي.. نفس النداء المزلزل.. ونفس العينين الصفرا اللي بتراقب روحه.
صحى حسن مفزوع، وقعد على طرف السرير وجسمه بينتفض. إيديه ماسكة في الغطاء بشدة لحد ما مفاضل صوابعه أبيضت.
داليا صحيت على حركته واهتزاز السرير.
داليا (بصوت كله ذعر وخوف عليه): "تاني يا حسن؟! تاني بنفس الطريقة؟!"
حسن (وصوته بيتقطع وبيخرج بصعوبة وجفاف شديد في زوره): "أـ أيوه.. بس.. بس أنا خلاص هحلها.. أنا قربت أحلها."
داليا (وهي ماسكة إيده المرتجفة): "تحل إيه يا حسن؟! أنت بقيت شبه الأشباح! متدخلش في الحاجات المجهولة دي لوحدك!"
حسن بص لها بنظرة مجهدة، وحاول يطمنها برغم الرعب اللي لافف رقبته:
"أنا.. أنا مش لوحدي يا داليا.. أنتِ هنا جنبي."
كانت جملة دافية، بس النبرة اللي طلعت بيها كانت طالعة من خوف كبير.
قام حسن بدري جداً، قبل الفجر. تسلل بخطوات حذرة ناحية المكتبة كأن فيه حاجة بتسحبه بتأكيد.
فتح الباب الخشب.. الضلمة لسه في الأوضة. ممدمش إيده يفتح النور الكبير، واكتفى بضوء أباجورة المكتب الخافت.
قرب من المكتب بقلب بيدق زي الطبول. طلع المفتاح من جيبه، حطه في ثقب الدرج، ودار المفتاح..
**الدرج كان مقفول تماماً.**
سحب الدرج لبرة، ومد إيده عشان ياخد الأجندة السوداء.
مسك الأجندة.. **القفل المعدني الصغير كان مقفول بإحكام ومربوط زي ما سابه بالظبط!**
طلع المفتاح الثاني الصغير، حطه في قفل الأجندة، ودار المفتاح لحد ما القفل اتفك.
فتح الأجندة.. وقبل ما يقلب صفحة واحدة، عينيه اتسعت وجسمه اتجمد كأنه حجر!
الأجندة مكنتش متوقفة عند الصفحة اللي كتب فيها خطته إمبارح.. الأجندة كانت مفتوحة على صفحة جديدة في النص!
وفي الصفحة.. كانت فيه كتابة كثيفة.
مش بالعربي..
ومش بالبدائي..
**رموز هيروغليفية معقدة وشديدة الدقة!** مكتوبة بحبر أسود داكن، بخط كبير، حاد، وثابت جداً.. كأن الإيد اللي كتبته إيد صلبة مابتهتزش ولا بتميل!
حسن حس بصدمة شلت عقله. بلع ريقه بصوت طالع بصعوبة، وشفايفه بتهته برعب:
"أـ أنا.. أنا مـ.. مكتبتش ده! أنا متأكد.. متأكد مية في المية إني ملمستش الصفحة دي!"
قلب الصفحة اللي بعديها بإيد سقعت كالتلج..
لقى نفس الخط القوي.. ونفس الرموز.. وفي جنك الصفحة كانت فيه أرقام وحسابات وإشارات غريبة.. شكلها زي إحداثيات موقع أو خريطة زمنية!
ضهره بقى ساقع.. مش مجرد قشعريرة عابرة، برودة حقيقية كأن حد فتح تلاجة جوه عموده الفقري!
رجع يقلب الأوراق بسرعة وهستيريا.. صفحة.. اتنين.. تلاتة..
الرموز مستمرة، مترتبة بنظام سحري دقيق، مش مجرد خربشة.
وفي أواخر الصفحة الأخيرة، كانت فيه رسمة لرمز فرعوني صغير ومجهول.. يمثل "ختم" أو نقطة نهاية حاسمة.
حسن قفل الأجندة مرة واحدة بصوت صدمة حاد، كأنه بيقفل الغلاف على حاجة بتتحرك جوه الصفحات!
وقف دقيقة كاملة في مكانه من غير ما يتحرك.. وبعدين طلع ضحكة عصبية مضطربة طلعت منه غصب عنه:
"هـ.. هه.. لا.. لا استنى بس.. استنى يا حسن.."
بص حواليه بتوجس مرعب.. الرفوف.. الكتب.. والركن المظلم اللي الضلمة كانت تقيلة فيه.
مفيش حد في الأوضة.
بس الإحساس الجسدي الحاد إن **"فيه كائن حاضر وبيراقبه"** مسبهوش لحظة واحدة!
بص لإيديه المرتجفتين، وبعدين مسك الأجندة ببطء وحطها على الترابيزة قدامه. اتكلم بصوت مسموع، موجه كلامه للفراغ والضلمة اللي حواليه:
"مـ.. مين اللي كتب ده؟! مين اللي دخل هنا?!"
مفيش رد. صمت مطلق في المكتبة.
بس في الثواني دي.. لاحظ حسن تفصيلة صغيرة جداً، تفصيلة خليت شعر جسمه يقف!
القلم الحبر اللي كان سايبه إمبارح جنم الأجندة.. **كان متحرك عن مكانه سنة بسيطة جداً!**
حركة بسيطة مش بياخد باله منها غير واحد مدرب على دقة الأوراق والآثار.. بس كانت كفاية عشان تطرح سؤال أشد رعباً من كل اللي فات:
*هو أنا اللي بتحرك وأعمل ده وأنا مش في وعيي.. ولا فيه قوة خفية عايشة معايا وبتتحرك جوه بيتي؟!*
خد حسن نفس طويل ومتقطع.. وفتح الأجندة السوداء تاني.. ببطء المرة دي.
مكنش هدوء اطمئنان.. كان هدوء واحد قرر يدخل الغابة وهو عارف إن الوحش مستنيه جوه.
وانحنى بعينين متسعتين.. وبدأ يقرأ الرموز المكتوبة!
---
**[ نهاية الفصل الثاني ]**
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق