رواية : خَتْم الأزمان | لعنة-نِب-سِدِج-رَع [تمهيد الرواية : ما قبل الكارثة]
📚 تمهيد الرواية: العقد الذي بدأ اللعنة (طيبة – حوالي 2130
![image about رواية : خَتْم الأزمان | لعنة-نِب-سِدِج-رَع [تمهيد الرواية : ما قبل الكارثة]](https://s3media.amwcdn.com/content/715131/conversions/69ea6e74ff-attachments-webp.webp)
ق.م)
كان الليل في طيبة ثقيلاً، كأنه حجرٌ جلمودٌ وُضع على صدر المدينة. النجوم ثوابت في جبهة السماء.. والثبات، في عقيدة نِب-سِدِج-رَع، لم يكن إلا إهانةً وتحدياً لسلطته.
في نهارات المدينة، كان يظهر في هيئة الكاهن الأعلى المقدّس: رداءٌ من الكتان الأبيض الناصع، صمتٌ بحجم الجبال، وابترامٌ باهت لا يشف عن شيء. أما في داخل صدره.. فكان هناك كيانٌ مظلم ينمو منذ سنوات، قناعةٌ صلبة لا تتزحزح بأن الحاكم القائم على العرش لا يستحق حتى التراب الذي يطأه بقديمه.
لم يكن الملك—الذي جلس على عرش مصر قبله—غبيًا بالمعنى البسيط، لكنه كان ضعيفًا بالمعنى الذي لا يُغتفر: قراراتٌ تُرضي كبار القوم ولا تُنقذ البلاد، تنازلاتٌ تُشبه الحكمة وهي في جوهرها خوفٌ محض، وحاشيةٌ تُجمّل الخطيئة والخراب حتى يصير كلاهما قانوناً يُطاع.
وكان نِب-سِدِج-رَع يرقب ذلك كله من مقعده القريب: يرى كيف تُباع المناصب في أروقة المعبد، وكيف تُخنق الأصوات الحرة، وكيف تخرج القوافل من طيبة مثقلة بالخيرات ثم تعود فارغة، وكيف تُداس العدالة باسم "استقرار المملكة".
في مجلسٍ مُغلق ذات مساء، سمع أحد القادة الهرمين يقول بنبرة مرتعشة:
"ليحفظ الإله الملك.. فالعصر يحتاج وجهًا يُطمئن الناس."
فكاد نِب-سِدِج-رَع أن يضحك ضحكةً بصاقية. وجهٌ يُطمئن الناس؟ أم وجهٌ يُهدّئ خِيفة الحاشية على مكاسبها؟
منذ تلك الليلة، لم يعد يرى العرش تاجاً وكرسياً.. بل رآه "حقاً مسروقاً" وجب استرداده.
تآمر؟ نعم، تآمر. لكن تآمره لم يكن مجرد سكاكين تُستلّ في الخفاء والظلام؛ كان تآمرًا بعقل رجلٍ تعلّم كيف يُسحِر العقول وتُخضع الأرواح قبل أن تُساق المدن. جمع حوله نفرًا قليلًا اخترق بهم القصر: كاتبًا يعرف أين تختبئ الأسرار، وقائد حرسٍ يعرف كيف تُفتح الأبواب المغلقة بالذهب، وكاهنًا صغيرًا تعلّم كيف يصمت حتى الموت.
ثم جاء اليوم الذي انقلبت فيه الكفة. لم يذكر التاريخ—ولن يذكر أبداً—كيف سقط الملك القائم. سقط لأن طيبة كانت جاهزةً لتبنّي أي حكاية تُريحها من عجزها، وسقط لأن نِب-سِدِج-رَع كان يملك شيئاً لا يملكه جميع خصومه: القدرة على جعل الجريمة تبدو "قدراً محتوماً".
وعندما جلس على العرش أخيرًا، لم يشعر بالشبع.. بل شعر بضيقٍ يتنفسه مع الهواء. كان يسمع هتافات العامة وتصفيق الكهنة، لكن في عمق أذنه كان يتردد صوتٌ آخر، صوت الحقيقة الباردة القاطعة:
*"سوف تموت."*
في الليالي الأولى بعد تتويجه، كان يستيقظ مذعوراً، يضع يده على صدره العاري ليتحقق أن قلبه ما زال ينبض. لم يكن الخوف من خنجر قاتلٍ يتسلل في العتمة.. بل خوفاً من كابوسٍ أشد هولاً: أن يكون حكمه مجرد "فاصل زمني قليل" في كتاب التاريخ، ثم يطويه الفناء.
ومن تلك اللحظة، بدأ بحثه الحقيقي.
---
![image about رواية : خَتْم الأزمان | لعنة-نِب-سِدِج-رَع [تمهيد الرواية : ما قبل الكارثة]](https://s3media.amwcdn.com/content/715127/conversions/69ea6e74ff-attachments-webp.webp)
### 1. السحر وحده لا يكفي
كان نِب-سِدِج-رَع قد أتقن ما يُسمّيه العامة والكهنة "أقصى ما تبلغه أسرار الطقوس": تعويذات الحماية العظمى، طقوس الإخضاع والسيطرة، قراءة الرموز المجهولة، وأسماء الآلهة القديمة التي تُرهب الأرواح الخفية.
جرّب كل ذلك؛ جرّب أن يطيل عمره باستخلاص سموم الأعشاب والطقوس، أن يقي جسده من السم، أن يردع المرض قبل أن يلمسه، وأن يصنع حول بدنه هالةً لا تُخترق. لكن كل ما بلغه كان يدور حول مقصدٍ واحد: **تأخير النهاية**.
أما هو.. فلم يكن يطلب التأخير، كان يريد **الإلغاء**.
"لن أكون ملكًا لسنواتي المعدودة فقط." قالها لنفسه في خلوته، ثم أصبحت صلاته السرية التي يكررها كل ليلة: "سأكون حاكمًا لكل زمان."
ومع تدفق الأيام، صار السحر الذي يتقنه يبدو في عينيه كألعاب أطفالٍ أمام مطلبه الجسيم. ففتح الباب الذي يخشاه جُهّال الكهنة ويشتهيه أساطين الطامعين: باب استحضار الكيانات السفلية.
---
### 2. استحضار.. وتمنّي
اختار موضعاً لا يجرؤ الحرس أو الكهنة على الاقتراب منه: بهوًا سفلياً غائراً تحت المعبد القديم، أرضيته من بلاط حجرٍ أسود يبتلع الضوء. أمر حراسه وخدمه بالابتعاد، وأطفأ كل المشاعل إلا قليلاً منها، ثم رسم دوائر ورموزاً بخلط الملح والرماد ومسحوق معدنٍ محمّى بالدم.
لم يكن يستحضر المعرفة ولا الحماية.. كان يستحضر ليطرح سؤالاً واحداً لا غير: **"كيف يُكسر الزمن؟"**
وعندما اكتملت خطوط الدائرة السحرية، تغيّر هواء البهو فجأة. لم تهب أية رياح.. بل انخفضت الحرارة بدرجة مرعبة، كأن المكان تذكّر فجأة أن الموت قريب.
ثم سمع همساً يخرج من الفراغ والظلمة، لا من حنجرةٍ أو فم.
ظهر كيانٌ عند حدود الضوء الخافت: لا يُرى كاملاً، لكن يُحَسّ حضوره كضغطٍ هائل يوشك أن يكسر العظام. لم يأتِ بوجهٍ أو جسدٍ محدد؛ جاء كظلٍ يتشكّل ويتهدم، كأنه يرفض أن يمنح الناظرين شكلاً ثابتاً.
قال نِب-سِدِج-رَع بصوتٍ ثاقب، وهو يعلم أن أدنى ترددٍ هنا يعني هلاكه:
[بالهيروغليفية: "أريد طريقاً لما لا حدود له."]
ضحك الكيان ضحكةً قصيرة خالية من كل فرح، تردد صداها في أركان الحجر.
[بلغة الكهنة العظام: "سِخِم-آخ، نِتِر-عَا!" - "أي روحٍ طامعة تخاطب الظل!"]
ثم تحدث بصوتٍ يخترق العقل مباشرة:
[بالهيروغليفية: "وماذا تريد؟ أو دعني أخمن.. أرى في أعماقك أنك تطلب شيئاً عظيماً، شيئاً لم يسبق لمخلوقٍ من طين أن وصل إليه، أليس كذلك؟"]
نِب-سِدِج-رَع: [بالهيروغليفية: "أريد أن أحكم كل الأزمنة.. وأن أعود كلما انتهيت."]
ساد صمتٌ ثقيل.. ثم قال الكيان عبارةً سقطت كالسهم:
[بالهيروغليفية: "طلبك ليس عندي.. ولكن أستطيع أن أدلك على شيء."]
انحنى الكيان قليلاً، وانخفض نبر صوته:
[بالهيروغليفية: "هناك كتابٌ لا اسم له.. لا يُمنح، لا يُورث، ولا يُمسك كما تُمسك الأشياء.. هو من يختار صاحبه."]
تقدم نِب-سِدِج-رَع خطوةً نحو الظل دون أن يرمش:
[بالهيروغليفية: "أين هو؟"]
هنا انخفض صوت الكيان كأن كل حرفٍ يخرج منه ثمنه قاطرةٌ من الدم:
[بالهيروغليفية: "لن أقول لك 'أين'.. سأقول لك 'كيف يقترب منك'.. قدرك السوداوي هو ما سيحضرُك إليه."]
وقبل أن يسأله المزيد، انقطع الصوت والضغط فجأة، كأن أحداً أغلق باباً ضخماً في وجهه. لكن البهو السفلي لم يعد كما كان..
على الحجر الأسود أمامه، بدأت خطوطٌ دقيقة تُرسم وحدها—كأن إصبعاً خفياً من نار يحفرها: خريطةٌ صغيرة.. ليست خريطة مدنٍ أو أقاليم، بل خريطة طريقٍ نحو المجهول. لم تكن كاملة، ولم تُعطه الكنز جاهزاً، بل أعطته اتجاهاً وإحداثيات ولمحةً ألهبت فيه الهوس.
ركع نِب-سِدِج-رَع على ركبتيه، وأعاد رسم الخطوط بيده على رقٍ أعده حتى لا تضيع، وحفظها كما يحفظ الكاهن اسم إلهه. وفي عينيه أضاء فرحٌ خطير: فرحُ الصياد حين يرى الأثر الأول لفريسته.
---
### 3. الرحلة.. والوصول إلى الهدف
خرج ليلًا دون أن يخبر أحداً من حراسه. لم يحمل معه سوى خنجرٍ صغير، وقارورة ماء، وبعض التعاويذ المكتوبة على رقٍ قديم. عبر ضفاف النيل حيث يخفت ضوء القمر، ثم أمعن في قفر الصحراء حيث تصبح الرمال أكثر امتداداً من الكلام.
كانت الرحلة في جوهرها اختباراً لقدرة عقله: ليالٍ يطارد فيها صمت الصحراء المطلق ثباته الدرامي، ونهاراتٌ يخفي فيها أثره حتى لا تتبعه عين، ووقتٌ طويل يراوده فيه سؤالٌ واحد: *"هل أُقاد إلى حتفي.. أم أنا من يقود القدر؟"*
في ليلةٍ شديدة الظلمة، لمح ثعباناً ضخماً يعبر طريقه. لم يقتله، ولم يتراجع.. فقط وقف في مكانه حتى عبر الكائن، كأنهما اتفقا بلا كلمات أن هذا الطريق لا يفتحه إلا من لا يرمش له جفن.
وعندما اقترب من الموضع الذي تشير إليه الخريطة، بدأ يسمع ما لا تُدركه الآذان العادية: طنيناً خفيفاً يتذبذب في الهواء، مثل وترٍ قوسيّ يُشد ببطءٍ شديد.
وصل أخيرًا إلى مدخل كهفٍ ينبثق بين صخورٍ سوداء شاهقة، كأنها احترقت في جحيمٍ قديم ولم تبرد بعد. كان الكهف مرعباً لأنه كان هادئاً أكثر مما ينبغي لكل مكان على الأرض: لا طيور، لا حشرات، ولا أثر لأي شكل من أشكال الحياة.
وقف عند العلامة الأخيرة في خريطته، وتأكد يقينًا: هذا هو الموضع.
---
### 4. اللقاء الذي طال انتظاره
دخل الكهف. لم يكن الممر مستقيماً، بل كان متاهةً قصيرة من انعطافات ضيقة، صُممت لتجبر الداخل على أن يفقد اتجاهه وإحساسه بالزمن.
وفي أقصى العمق، انفتح المكان فجأة على غرفةٍ حجرية دائرية، وفي وسطها منصةٌ من حجرٍ بركاني. وعلى المنصة.. كان هناك شيءٌ يمتص الضوء المحيط به.
**الكتاب الأسود.**
لم يكن كتاباً من برديّ أو جلدٍ رخيص؛ غلافه داكنٌ كليلٍ مصقول، وعلى حوافه زخارف ذهبية دقيقة لا تشبه صناعة البشر. وكان إحساس "النبض" يتصاعد منه واضحاً: كأن الغلاف يتنفس ببطءٍ وثبات.
مدّ نِب-سِدِج-رَع يده بتلهف.. ثم توقف في منتصف الهواء. لأول مرة منذ أن صار ملكاً، شعر أنه ليس الكائن الأعلى في المكان.
جاءه الصوت هذه المرة من داخل جمجمته مباشرةً، أقسى وأشد صرامة من المرة الأولى:
`[بلغة الكهنة العظام: "كَا-مِتِر، خَسِف-نِتِر! - كُلُّ شَيْءٍ لَهُ ثَمَنٌ.. هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ؟"]`
ابتلع نِب-سِدِج-رَع ريقه ببطء، وقال لنفسه—بلا صوت—إنه لن يتراجع، فالتردد موتٌ ببطء.
تحدث الصوت (أو الكيان الساكن في الكتاب) كأنه يزن إرادته:
[بالهيروغليفية: "قل رغبتك بصراحة."]
نِب-سِدِج-رَع: [بالهيروغليفية: "أريد حكم الأزمنة.. أريد أن أكون فوق النهاية والفناء."]
ساد صمتٌ قصير، ثم جاءت الجملة التي صاغت اللعنة:
[بالهيروغليفية: "ستستعد للثمن؟"]
ثم بدأ يشرح له القانون الصارم:
* **القوة تُؤخذ على دفعات.**
* **وكل دفعة تُقتطع مباشرةً من روحك.**
* **حتى إذا اكتملت البيعة والعهد.. لم يعد للخادم من نفسه إلا ما يُسمح له به.**
ولأن كل عقدٍ مظلم يحتاج إلى شرطٍ يضمن بقاءه عبر العصور، قال الكيان شرط العودة والقيام:
[بالهيروغليفية: "قيامك لن يكون بجهدك وحدك.. سيكون عبر وعاءٍ نقيّ من نسلك. لن تطارده ولن تبحث عنه.. حين تكتمل علامته السحرية، سيهتدي إليك بنفسه، وبوصوله تقوم من ثباتك العميق."]
هنا—وفي هذه اللحظة بالذات—ظهر معدن نِب-سِدِج-رَع الحقيقي. لم يسأل: *"هل هذا ظلم؟"*، ولم يقل: *"هل هناك طريق أسهل؟"*. بل سأل السؤال الذي كشف عن جاهزيته المطلقة للبيع:
[بالهيروغليفية: "ومتى أبدأ؟"]
وجاءه الرد كأنه ابتسامة خفية بلا فم:
[بالهيروغليفية: "حين تضع يدك.. وتقبل العهد."]
مدّ يده هذه المرة دون أدنى تردد.
وعندما لامست صوابعه الغلاف الأسود المصقول، شعر كأن شيئاً يغلي قد نفذ إلى أعماق روحه لا إلى جلده.. كأن باباً كبيراً فُتح في كيانه، ودخلت منه سلطة مرعبة لا تشبه سلطة البشر.
خرج نِب-سِدِج-رَع من الكهف وهو ليس الرجل الذي دخله. خرج وهو يظن أنه يملك الطريق.. بينما في الحقيقة، صار هو مجرد جزءٍ من الطريق ... وهنا بدأت لعنة نِب-سِدِج-رَع
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق