عمود السواري: كيف بقي عمود واحد شاهداً على مجد الإسكندرية القديمة كله

عمود السواري: كيف بقي عمود واحد شاهداً على مجد الإسكندرية القديمة كله

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

عمود السواري: كيف بقي عمود واحد شاهداً على مجد الإسكندرية القديمة كله


النبذة المختصرة
بينما اندثرت المكتبة الأسطورية ومنارتها العجيبة وقصور البطالمة تحت الأرض والبحر، ظل عمود جرانيتي واحد شامخاً فوق تل صغير في قلب الإسكندرية لأكثر من سبعة عشر قرناً، حاملاً اسماً مضللاً واسماً حقيقياً مختلفاً تماماً عن الحدث الذي نُسب إليه خطأً لقرون طويلة.


تل يحمل تاريخاً أقدم من العمود نفسه
يقع عمود السواري فوق تل مرتفع قليلاً في منطقة كوم الشقافة بالإسكندرية، وهو موقع كان يحمل أهمية دينية عميقة منذ العصر البطلمي المبكر، إذ شيّد عليه بطليموس الثالث معبداً ضخماً مخصصاً للإله سيرابيس، الإله الهجين الذي ابتكره البطالمة أنفسهم مزيجاً بين آلهة مصرية وإغريقية لتوحيد رعاياهم المختلفين ثقافياً تحت عبادة مشتركة واحدة. عُرف هذا المجمع الديني باسم "السيرابيوم"، وأصبح خلال قرون تالية أحد أهم المعابد وأكثرها قدسية في العالم الهلنستي بأكمله، حتى أن بعض المصادر التاريخية القديمة تذكر أنه ضم فرعاً ثانوياً من مكتبة الإسكندرية الشهيرة نفسها، تحسباً لأي كارثة قد تصيب المكتبة الرئيسية في القصر الملكي.


دقلديانوس: الإمبراطور الذي أُقيم العمود تكريماً له
يعود العمود القائم اليوم إلى نهاية القرن الثالث الميلادي، حين أقامته مدينة الإسكندرية تكريماً للإمبراطور الروماني دقلديانوس، عقب حصاره الطويل والمدمر للمدينة عام 297 ميلادياً لإخماد تمرد محلي اندلع ضد الحكم الروماني. يبلغ ارتفاع العمود نحو عشرين متراً كاملة، منحوتاً من كتلة واحدة ضخمة من الجرانيت الأحمر المستخرج من محاجر أسوان البعيدة جنوباً، ثم نُقلت هذه الكتلة الهائلة عبر النيل ثم البحر المتوسط إلى الإسكندرية، في إنجاز هندسي ولوجستي مذهل يعكس براعة النقل والبناء الرومانية المتقدمة في تلك الحقبة. يعلو العمود تاج كورنثي منحوت بدقة فنية عالية، بينما تحمل قاعدته نقشاً يونانياً يوثق بوضوح الغرض الحقيقي من إقامته: تكريماً لدقلديانوس نفسه، لا لأي شخصية أخرى.


اسم مضلل ينسب العمود خطأً لبطل مختلف تماماً
رغم أن النقش الأصلي يوثق بوضوح ارتباط العمود بدقلديانوس، إلا أن الاسم الشائع الذي عرفه به العرب والزوار الأوروبيون لاحقاً، "عمود السواري"، أو "عمود بومبي" كما عُرف بالإنجليزية "Pompey's Pillar"، جاء نتيجة خلط تاريخي شهير ومستمر لقرون طويلة. اعتقد الرحالة والمؤرخون الأوروبيون في العصور الوسطى المتأخرة، خطأً، أن هذا العمود يحمل رفات القائد الروماني بومبي العظيم، الذي قُتل غدراً في مصر عام 48 قبل الميلاد أثناء فراره من منافسه يوليوس قيصر بعد هزيمته في الحرب الأهلية الرومانية، رغم أن الفارق الزمني بين وفاة بومبي وإقامة العمود الفعلي يتجاوز ثلاثة قرون كاملة، وهو ما يجعل هذا الربط التاريخي خاطئاً تماماً من الناحية الزمنية والوثائقية على حد سواء. أما التسمية العربية "عمود السواري"، فمشتقة من كلمة "سارية"، أي الصاري الشراعي للسفن، في إشارة على الأرجح لدور العمود كعلامة ملاحية بارزة يهتدي بها البحارة القادمون نحو ميناء الإسكندرية من عرض البحر.


تماثيل حراسة تختفي وتُكتشف من جديد
حين وُصف الموقع من قبل رحالة عرب ومسلمين خلال العصور الوسطى، ذُكر أن العمود كان محاطاً بمجموعة من تماثيل أبي الهول المصرية القديمة، بعضها منقول أصلاً من مواقع فرعونية أقدم بكثير، مستخدمة كعناصر زخرفية تكميلية حول قاعدة العمود والمعبد المحيط به. اختفت معظم هذه التماثيل تدريجياً عبر القرون، سواء بفعل النهب أو الإهمال أو الكوارث الطبيعية المتكررة التي ضربت الإسكندرية عبر تاريخها الطويل، لكن الحفريات الأثرية الحديثة التي بدأت جدياً مطلع القرن العشرين نجحت في الكشف عن عدد من هذه التماثيل المدفونة تحت الأنقاض والرمال المتراكمة، إلى جانب اكتشاف بقايا واسعة من مجمع السيرابيوم نفسه، شاملة أنفاقاً وقاعات تحت أرضية كانت تُستخدم في طقوس دينية سرية مرتبطة بعبادة سيرابيس القديمة.


نجاة استثنائية وسط دمار شامل للمدينة القديمة
يُعتبر عمود السواري اليوم الأثر الوحيد الباقي فوق سطح الأرض من مدينة الإسكندرية القديمة بأكملها بحالة قائمة ومكتملة تقريباً، في وقت اختفت فيه أو غرقت تحت مياه البحر المتوسط معظم معالم المدينة الأخرى العظيمة، من المنارة الشهيرة، إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة، التي دمرها سلسلة من الزلازل المتعاقبة عبر القرون حتى اختفت تماماً، إلى المكتبة الأسطورية التي تعرضت لحرائق ونهب متكرر عبر تاريخها المضطرب حتى اندثرت كلياً، وصولاً إلى القصور الملكية البطلمية التي غرق معظمها تحت مستوى سطح البحر الحالي نتيجة الزلازل والتغيرات الجيولوجية التراكمية عبر آلاف السنين. هذه الندرة الاستثنائية تمنح عمود السواري قيمة أثرية وتاريخية مضاعفة، إذ يمثل الرابط المادي الوحيد الملموس والقائم فعلياً الذي يربط الزائر المعاصر مباشرة بعظمة الإسكندرية القديمة التي وصفها الرحالة القدامى بانبهار شديد.


شاهد صامت يستمر في مقاومة الزمن
يقف عمود السواري اليوم شامخاً في موقعه الأصلي منذ أكثر من سبعة عشر قرناً متواصلة، محاطاً بحديقة أثرية منظمة تضم أيضاً بقايا السيرابيوم المكتشفة والتماثيل المستعادة، ليصبح واحداً من أهم المواقع السياحية والأثرية في الإسكندرية المعاصرة، يزوره آلاف السياح سنوياً منبهرين بضخامته وقدمه معاً. يمثل هذا العمود، رغم الخلط التاريخي الشهير حول اسمه وصاحبه الحقيقي، رمزاً بليغاً لصمود الحضارة المصرية القديمة والهلنستية والرومانية المتراكمة عبر طبقات متعددة من التاريخ في مدينة واحدة استثنائية، مؤكداً أن بعض الآثار، رغم كل الكوارث والغزوات والزلازل التي ضربت محيطها عبر آلاف السنين، تملك قدرة غامضة على النجاة والاستمرار شاهدة صامتة على عظمة لم تعد موجودة إلا في الذاكرة والحجر الباقي وحده.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.97 من 5.
المقالات

646

متابعهم

815

متابعهم

3723

مقالات مشابة
-