من أين أتت هذه النآر
آثار الحروق لا تزول، ولا تنتهي بانطفاء النار؛ فهي كجوف البركان، تظلّ كامنةً، معرّضةً للانفجار والانهيار عند أتفه الأشياء.
فتلك الندبة تتحدث كل يوم، تستغيث وتتألم، ولا يسمع أنينها احد
ومحدودية العقل أمام أسئلةٍ لا يملك لها إجابات تُرهقه؛ أسئلةٌ لا يعلم أسبابها وحقيقتها إلا الله.
اللهم لا ترهقنا من امرنا عسراً
من أين أتت هذه النار؟
عظيمةٌ هي مقولة: «الحذر لا يمنع القدر».
في لحظةٍ كنت أقبض بيديَّ على أثمن ما لديّ، وأتفقده بين الحين والآخر، حبًّا واهتمامًا وحذرًا.
ثم رأيت ضوءًا ساطعًا، مجهول المصدر.
تردّد قلبي في تصديق إحساسه، واقتربتُ خطوةً بخطوة لأتعرّف إلى ذلك الشيء المضيء، المشتعل، دون إرادةٍ مني.
من أين أتت هذه النار؟
وأنا أحاول أن أستوعب، إذا بي أجد نفسي محاطةً بالنيران، تشتعل أكثر.
لم أكن أرى سواها، وأنا في ذهول. ومن هول الصدمة لم أتحرك. كنت أجهل ماذا أفعل، وما يجب أن أفعل.
تملّكتني مشاعر كثيرة: الصمت، والإنكار، والخوف.
لم يكن لي أي مخرج لأهرب وأتخلص منها.
هل لي أن أُغمض عينيّ؟ لعلّه كابوس، وحين أفتحها يرحل عني.
كيف أتخلص من الوجع والعذاب؟
فقد كنت مضطرة إلى الصمود الغاضب المستسلم.
وكانت أول خطوةٍ لها على جسدي، حيث اقتلعت شعري بلا رحمة، وبمنتهى القسوة. سمعت صوت طقطقة خُصل شعري، وتغيّر رهيب في ملامحي شيئًا فشيئًا.
جرحٌ كبير في أعضاء إثبات أنوثتي التي أعتز بكوني عليها.
وكنت أصرخ، وأعترض، وأسأل، وأحزن أكثر.
فقد كنت أتألم، وأتمنى ألّا أعيش يومًا آخر في ذلك.
وداخلي سؤال:
هل حقًا أنا التي يحدث معها هذا؟
وصوت من بعيد يصيح:
«أنتِ بطلة.»
توقفت لأستوعب ماذا يُقال.
أنا لم أنقذ أحدًا، ولم أساعد في إطفاء ونجدة نفسي حتى.
فمن أين أتت البطولة؟
اتركوني… كفى عبثًا، كفى لغوًا؛ كلامًا لا وزن له.
فأنا في دوشة دماغي أغرق، وإذا بي أبحث عن إجابات للّامنطق الذي أنا فيه.
وجدت أن النار خمدت خارجيًا، ظاهريًا، وبدأت أخرج منها لأرى ما خلّفته من مسخ.
مُسحت كل معالمي. لم أعد أنا.
اربكني تضارب شديد في أفكاري، وقناعتي، وإيماني.
نعم، أعرف هذا الجسد… نعم، إنه أنا؛ بنبرة صوتي، وتفكيري المفرط، وخوفي.
وعانيت مخلّفات حروقك أكثر من آلامي في وجودك ونهشك لجسدي المغلوب الذي لا يقاوم
وأرهقني خوف مجهول، وقلق يلازمني، ووجع لإصلاح ما تبقّى مني، وحفنة من الأسئلة المرهقة، أكثر من وجودك، أيها المرض…
فلم تنتهِ قصتك بخمود النار؛ بل تركتَ فيَّ وجعًا خفيًّا، ما زال يسكني.
آثار الحروق لا تزول، ولا تنتهي بانطفاء النار؛ فهي كجوف البركان، تظلّ كامنةً، معرّضةً للانفجار والانهيار عند أتفه الأشياء.
فتلك الندبة تتحدث كل يوم، تستغيث وتتألم، ولا يسمع أنينها احد
ومحدودية العقل أمام أسئلةٍ لا يملك لها إجابات تُرهقه؛ أسئلةٌ لا يعلم أسبابها وحقيقتها إلا الله.
اللهم لا ترهقنا من امرنا عسراً

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق