في هذا المقال
لعنة الظل الخامس
كانت بلدة "وادي الملح" تحافظ على سر قديم لم يتجرأ أحد على الخوض فيه: ألا تطأ قدم إنسي شاطئ البحيرة الميتة بعد غسق الشمس. كان طارق، الباحث في الفلكلور الشعبي والظواهر الخارقة، يعتقد أن هذه الروايات ليست سوى أساطير نسجها كبار السن لإبعاد الأطفال عن المياه العميقة. أعدّ عدته بالكامل؛ كاميرا حرارية، مسجل صوتي، وفانوسًا زيتيًا قديمًا، وتوجه نحو الشاطئ المهجور مع تصاعد ظلال المساء.
وصل طارق إلى ضفة البحيرة عند تمام الساعة الحادية عشرة ليلاً. كان الهدوء المريب يلف المكان، والماء ساكنًا كقطعة من الزجاج الأسود. لم يكن هناك صوت للرياح ولا حفيف للأوراق. جثا طارق عند حافة الماء وتشغيل مسجل الصوت، وبدأ يقرأ بضعة أسطر من مذكرات قديمة وجدها في مكتبة القرية تتحدث عن "الظل الخامس".
وفجأة، بدون سابق إنذار، انخفضت درجة الحرارة بشكل حاد حتى استطاع رؤية بخار أنفاسه يتصاعد في الهواء. نزل ضباب كثيف أحاط به من كل جانب، وسمع صوت قطرات ماء تتساقط بانتظام رغم عدم وجود مطر. نظر طارق إلى سطح البحيرة، ورأى انعكاس القمر كاملاً، ولكن إلى جواره، كان هناك أربعة ظلال سوداء تقف على سطح الماء، لا أجساد لها.
بدأت الظلال الأربعة تتحرك نحو الساحل بخطوات ثقيلة تصدر صوتًا كصوت اللحم المبلل حين يطرق على الصخر. تملك الخوف طارقًا، وأراد الهرب، لكن قدميه كانتا مثبتتين في الأرض وكأن يدًا خفية تمسكهما من الأسفل. تذكر الأسطورة: "إذا رأيت أربعة ظلال، فإن الخامس يبحث عن جسدك".
سحب طارق فانوسه وحاول إشعاله، لكن الشعاع كشف عن شيء أشد رعبًا. الانعكاس في الماء لم يعد يعكس وجهه، بل وجه شخص آخر بعيون فارغة كالحفر، يبتسم ابتسامة شاقة تمتد من الأذن إلى الأذن. بدأ الصوت ينبعث ليس من المسجل، بل من داخل رأسه مباشرًا؛ همسات متداخلة بأصوات أشخاص غرقوا في هذه البحيرة منذ عقود، تناديه باسمه وتشكر دخوله الدائرة.
امتدت يد سوداء من الشاطئ نفسه، لم تكن مجرد ظل، بل كائنًا من الحلكة المطلقة له أظافر طويلة كالإبر. لمست اليد صدر طارق، فشعر ببرودة تتغلغل إلى قفصه الصدري وتوقف قلبه عن الخفقان للحظات. بجهد أخير، انتزع طارق سكينًا صغيرة من حزامه وجرح يده ليمسح الدم على الأرض—وهي الحيلة الوحيدة التي ذكرتها المخطوطة لكسر اتصال الأرواح بالأرض.
صرخ الكائن صرخة حادة هزت أركان المكان، وتراجع الضباب فجأة كما ظهر. استعاد طارق القدرة على الحركة وركض بكل قوته دون أن يلتفت وراءه حتى وصل إلى أول منازل البلدة، والدموع تغمر عينيه والنفس يتقطع في صدره.
في الصباح التالي، وحين كان طارق يلملم أغراضه لمغادرة البلدة بلا رجعة، وقف أمام مرآة الغرفة ليضماد جرح يده. سقطت الضمادة من يده من الهول؛ حين نظر إلى الأرض تحت ضوء الشمس الساطع، وجد أن جسده يلقي ظلين على الحائط بدلاً من ظل واحد، وكان الظل الثاني يبتسم له برفق.
تابع جديد ابراهيم السقا
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق