في هذا المقال
الغرفة التي لا تفتح

عندما انتقلت «سلمى» إلى البيت القديم، لم تكن تعرف أن هناك غرفة واحدة في الطابق الثاني لم يدخلها أحد منذ سنوات.
كان البيت واسعًا بشكل غريب، رغم أن أثاثه قليل. جدرانه باهتة، وأرضيته الخشبية تصدر أصواتًا مع كل خطوة، أما السلم المؤدي للطابق الثاني فكان يئن حتى عندما لا يصعد عليه أحد.
في أول ليلة، وبينما كانت سلمى ترتب ملابسها، سمعت صوتًا خافتًا من فوق.
طق... طق... طق...
توقفت عن الحركة.
رفعت رأسها نحو السقف.
ثم جاء الصوت مرة أخرى.
طق... طق... طق...
ثلاث طرقات.
صعدت السلم ببطء، وهي تضحك على نفسها وتقول:
"يمكن خشب قديم... أو قطة."
لكن عندما وصلت إلى الطابق الثاني، اختفى الصوت تمامًا.
نظرت حولها.
كان هناك ممر طويل ينتهي بثلاث غرف.
غرفتان كانتا مفتوحتين.
أما الثالثة، فكان بابها مختلفًا.
باب خشبي أسود، عليه طبقة سميكة من الغبار، وفي منتصفه قفل حديدي قديم.
اقتربت سلمى منه.
ولسبب لم تفهمه، شعرت ببرودة شديدة.
وضعت يدها على مقبض الباب.
وفجأة...
سمعت من خلفه صوتًا هامسًا.
"سلمى..."
تجمدت في مكانها.
سحبت يدها بسرعة.
نظرت إلى الممر.
لم يكن هناك أحد.
اقتربت مرة أخرى، لكنها لم تلمس الباب.
وقالت بصوت مرتجف:
"مين؟"
لم يأتِ رد.
نزلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
وفي تلك الليلة، لم تستطع النوم.
في الصباح، حاولت إقناع نفسها بأن ما حدث كان مجرد وهم.
وعندما سألت صاحب البيت عن الغرفة، تغير وجهه فجأة.
قال لها:
"الغرفة دي؟"
"أيوه."
صمت لثوانٍ، ثم قال:
"ماتفتحيهاش."
ضحكت سلمى.
"ليه؟"
نظر إليها بطريقة غريبة وقال:
"لأنها ما بتتفتحش."
"يعني إيه؟"
اقترب منها وقال بصوت منخفض:
"المفتاح مش موجود."
"طيب والقفل؟"
"القفل ده من بره... والباب عمره ما اتفتح من يوم ما اشتريت البيت."
سألته:
"ومين كان ساكن هنا قبلي؟"
لم يجب.
فأعادت السؤال.
هذه المرة قال:
"ناس كتير."
ثم غادر.
لكن قبل أن يخرج، التفت إليها وقال:
"ولو سمعتي حد بيناديكي من جوه..."
توقف.
"ما ترديش."
مر أسبوع كامل.
لم يحدث شيء.
بدأت سلمى تنسى الموضوع تقريبًا.
حتى جاءت ليلة الخميس.
كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل عندما استيقظت على صوت ماء يقطر.
نقطة... نقطة... نقطة...
فتحت عينيها.
الصوت لم يكن داخل الغرفة.
كان يأتي من الممر.
خرجت من سريرها وفتحت باب غرفتها.
الممر كان مظلمًا.
لكن في نهايته...
كان باب الغرفة السوداء مفتوحًا قليلًا.
شعرت بأن قلبها توقف.
كانت متأكدة أن الباب كان مغلقًا.
اقتربت خطوة.
ثم خطوة أخرى.
كلما اقتربت، أصبح صوت الماء أعلى.
حتى وصلت أمام الباب.
مدت يدها ببطء.
لكن قبل أن تلمسه...
أُغلق الباب وحده.
دوم!
تراجعت سلمى وهي تصرخ.
ثم سمعت صوتًا من الداخل.
صوت امرأة.
هادئ جدًا.
قال:
"لسه فاكراني؟"
لم تنم سلمى تلك الليلة.
وفي الصباح، اتصلت بصاحبة البيت القديمة، وهي امرأة مسنة اسمها «نوال».
طلبت منها أن تأتي فورًا.
عندما وصلت نوال، ظلت واقفة أمام الباب عدة دقائق دون أن تتكلم.
ثم قالت:
"كنت عارفة إن اليوم ده هييجي."
سألتها سلمى:
"أي يوم؟"
قالت نوال:
"اليوم اللي الغرفة هتختار فيه حد جديد."
"تختار؟"
جلست نوال على الكرسي، وبدأت تحكي.
قالت إن البيت كان ملكًا لعائلة قديمة، وإن الغرفة لم تكن موجودة أصلًا.
كانت مجرد غرفة عادية.
لكن منذ أكثر من أربعين سنة، اختفت فتاة صغيرة من البيت.
اسمها كان «ليلى».
بحثوا عنها في كل مكان.
وفي اليوم الثالث...
سمعوا صوتها من داخل الغرفة.
طرق على الباب.
ثلاث طرقات.
طق... طق... طق...
فتحوا الباب.
لكن الغرفة كانت فارغة.
ومنذ ذلك اليوم، تغير كل شيء.
كل شخص ينام في البيت يسمع ليلى تناديه.
وبعد فترة...
تبدأ أشياء غريبة بالحدوث.
صور تتحرك.
أبواب تُفتح وحدها.
وأصوات تأتي من أماكن لا يوجد فيها أحد.
ثم تنتهي الحكاية دائمًا بنفس الطريقة.
يختفي الشخص.
قالت سلمى:
"وإنتِ؟"
نظرت نوال إلى الأرض.
"أنا كنت آخر واحدة قبل ما البيت يتقفل."
"واختفى مين؟"
رفعت نوال عينيها إليها.
"أختي."
سكتت سلمى.
ثم سألت:
"فين راحت؟"
قالت نوال:
"الغرفة أخدتها."
في تلك الليلة، قررت سلمى الرحيل.
جمعت حقيبتها، وأمسكت بمفاتيح السيارة.
لكن عندما وصلت إلى الباب الرئيسي...
وجدته مغلقًا.
حاولت فتحه.
لم يتحرك.
أخرجت المفتاح.
أدخلته في القفل.
لفته.
لا شيء.
حاولت مرة ثانية.
ثم سمعت صوتًا خلفها.
طق... طق... طق...
استدارت ببطء.
كان صوت الطرق يأتي من الطابق الثاني.
ثم جاء صوت ليلى:
"سلمى..."
أغمضت عينيها.
لم ترد.
"سلمى..."
اقترب الصوت.
"تعالي."
بدأت سلمى تبكي.
ثم سمعت شيئًا أسوأ.
صوت أمها.
صوت أمها الحقيقي.
قال من أعلى السلم:
"سلمى... أنا هنا."
رفعت رأسها.
كانت تعرف أن أمها ليست في البيت.
لكن الصوت كان مطابقًا تمامًا لصوتها.
ثم ظهر شيء عند أعلى السلم.
لم تستطع سلمى رؤية وجهه.
كان واقفًا في الظلام.
وقال:
"وحشتيني."
ركضت سلمى إلى المطبخ وأغلقت الباب.
بدأت تبحث عن أي شيء يساعدها.
وجدت درجًا قديمًا.
فتحته.
كان بداخله دفتر صغير.
الغلاف أسود.
وعليه كلمة واحدة:
ليلى.
فتحته.
كانت الصفحات مليئة بتواريخ وأسماء.
وفي آخر صفحة وجدت جملة مكتوبة بخط مرتجف:
"الغرفة لا تأخذ الناس... الناس هم الذين يدخلون إليها."
توقفت سلمى.
ثم قرأت السطر التالي:
"ولا أحد يستطيع الخروج إلا إذا وجد الشخص الذي فتح الباب أول مرة."
سمعت صوت خطوات في الخارج.
بطيئة.
تقترب.
خطوة...
ثم خطوة...
ثم توقف الصوت أمام باب المطبخ.
رفعت سلمى رأسها.
انتظرت.
لم يحدث شيء.
ثم...
ثلاث طرقات.
طق... طق... طق...
لكن هذه المرة لم تأتِ من الخارج.
جاءت من داخل الدرج.
نظرت إليه.
كان الدفتر يهتز وحده.
فتح على صفحة جديدة لم تكن موجودة قبل لحظات.
وكان مكتوبًا عليها:
"أنا مش ليلى."
توقفت أنفاس سلمى.
ثم ظهرت كلمة أخرى أمام عينيها، حرفًا بعد حرف:
"أنا الغرفة."
في تلك اللحظة انطفأت الكهرباء.
وساد الظلام.
ثم جاء صوت الباب الرئيسي وهو يُفتح.
شعرت سلمى بالأمل.
ركضت نحو الخارج.
لكن قبل أن تصل إلى الباب، سمعت صوت نوال من خلفها:
"ماتخرجيش!"
استدارت.
كانت نوال واقفة في الممر.
قالت سلمى:
"إنتِ كنتِ هنا؟!"
هزت نوال رأسها.
وقالت:
"أنا ما خرجتش من البيت أصلًا."
اقتربت سلمى منها وهي ترتجف.
"يعني إيه؟"
ابتسمت نوال ابتسامة غريبة.
ثم أشارت إلى السلم.
كان باب الغرفة السوداء مفتوحًا.
وقالت:
"من يوم ما أختي اختفت... وأنا بحاول ألاقيها."
ثم أضافت:
"وأخيرًا لقيتها."
نظرت سلمى إلى داخل الغرفة.
كان الظلام كثيفًا.
لكن في عمقه...
ظهر وجه امرأة شابة.
كانت تشبه نوال.
ثم خرج صوت ليلى:
"اتأخرتي يا نوال."
صرخت نوال:
"ليلى!"
وركضت نحو الغرفة.
أمسكت سلمى بذراعها محاولة منعها.
لكن نوال التفتت إليها وقالت:
"لو دخلتِ معايا، الباب هيفتح."
"وليه؟"
ابتسمت نوال.
"لأن الغرفة محتاجة واحدة مكاننا."
ثم دفعت سلمى إلى الداخل.
أغلقت الغرفة بابها.
وساد الصمت.
مرت دقيقة.
ثم دقيقتان.
ثم بدأت سلمى تصرخ وتطرق الباب.
لكن لا أحد رد.
وفجأة...
سمعت صوت مفتاح يدور في القفل.
تك...
فتح الباب.
دخل ضوء الشمس.
كانت سلمى واقفة أمام باب الغرفة من الخارج.
تنظر إلى الممر.
لكنها لم تكن وحدها.
كانت نوال واقفة بجانبها.
قالت نوال:
"خلصنا."
نظرت سلمى إليها.
ثم سألت:
"ليلى راحت فين؟"
لم تجب نوال.
فقط ابتسمت.
وفي تلك اللحظة، جاء صوت الطرق من داخل الغرفة.
طق... طق... طق...
نظرت سلمى إلى الباب.
ثم سمعت صوتًا تعرفه جيدًا.
صوتها هي.
من خلف الباب.
يقول:
"سلمى... افتحيلي."
نظرت سلمى إلى نوال.
فقالت نوال بهدوء:
"ما تفتحيش."
ثم نزلتا السلم معًا.
لكن قبل أن تختفي سلمى عن الممر...
التفتت إلى الباب للمرة الأخيرة.
وكانت هناك ورقة صغيرة ملصقة عليه.
لم تكن موجودة من قبل.
اقتربت منها.
وقرأت:
"الغرفة لا تفتح أبدًا..."
ثم ظهر سطر جديد تحتها، وكأن أحدًا يكتبه في تلك اللحظة:
"هي فقط تختار من يكون بداخلها."
ومنذ ذلك اليوم...
كل من يسكن البيت يسمع، في منتصف الليل، ثلاث طرقات.
طق... طق... طق...
ثم صوت فتاة تقف خلف الباب وتقول:
"افتحي... أنا سلمى."


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق