في هذا المقال
همسٌ تحت الأرض: السر الغامض لمطحنة الصعيد المهجورة
في شتاء سنة 2012، وفي نجوع صعيد مصر القريبة من الجبل الشرقي، كان "حاج ياسين" بيشتغل حارس في مطحنة طحين قديمة مهجورة من أيام الإنجليز. المطحنة كانت معزولة، أقرب بيت ليها يبعد كيلو كامل، وحواليها بس شجر جُمّيز عتيق يرمي ظلاله الطويلة تحت ضوء القمر.
القصة دي محكيتهاش لحد من أهل البلد غير للمقربين جدًا، والسبب إن السر اتدفن مع بطلها في نفس السنة.
في ليلة من أبرد ليالي السنة، كانت الساعة تقارب اتنين بعد نص الليل. الريح كانت بتهز الشبابيك الصاج المخلعة. ياسين كان قاعد جنب شعلة نار صغيرة بيعمل شاي، لما سمع صوت غريب طالع من البئر القديم اللي جوه حوش المطحنة. البئر ده كان جاف تمامًا ومردوم بالحجارة من أكتر من أربعين سنة.
الصوت ما كانش صوت هواء... كان صوت "همس".
ناس بتتكتم وبتتكلم مع بعضها بصوت واطي جدًا تحت الأرض. ياسين افتكر في الأول إن في حرامية أو "نَبّاشين آصار" دخلوا المطحنة يدوروا على حاجة. مسك كشافه الكبير والعصاية الخيزران المشدودة، ومشي بشويش ناحية البئر.
كل ما يقرب، الهمس كان بيوضح، بس الغريب إن اللغة ما كانتش عربي ولا لغة يفهمها... كانت نبرات حدادة، كأنها تمتمات جنائزية متقطعة. لما وجه نور الكشاف لداخل فتحة البئر، النور اتمسح بظلام كئيب ومكثف، كأن البئر بيمتص الضوء!
وفجأة، الهمس سكت تمامًا.
عم السكون المطحنة كلها، حتى صوت الريح بره اختفى. ياسين كان هيلف ويرجع، لكن عينيه لقطت حركة على جدار البئر الداخلي. لما بَصّ تاني، شاف صوابع أيدين طويلة جدًا، بجلود جافة ولونها أشبه بالرماد، طالعة من بين حجارة البئر المردومة وبتمسك الشفة الحجرية للفتحة.
الأيدين ما كانتش أيدين بني آدمين؛ العقلتين أطول من الطبيعي، والأظافر متآكلة وكأنها كانت بتحفر في الصخر لسنين.
ياسين اتجمد في مكانه، رجله ما كانتش شايلاه من الهول. وفجأة، طلع من الفتحة صوت نفس دافئ وريحته زفرة كأنها جثة بقالها قرون مدفونة. وبعد النفس ده، سمع صوت كسر قوي... حجارة البئر الثقيلة بدأت تترفع لفوّق وكأن في قوة جبارة بتزقها من تحت!
في لحظة ذهول، لقى أشكال سوداء مالهاش ملامح محددة بتبدأ تخرج من الفتحة، مش بتمشي، لكن بتتسحب على الأرض زي الظلال. الأشكال دي كانت بتبص بفتحات فاضية مكان العيون، وكل ما تخرج واحدة، كان البيت يهتز وسقف الصاج يصرخ.
ياسين ساب الكشاف وجري بأقصى سرعة ناحية الباب الخارجي. وهو بيجري، حس بأيد باردة زي الثلج لمست رقبتها من الورى، وبصوت همس في أذنه بوضوح شديد باللغة العربية المكسرة: "السرير مش فاضي... دورنا جه."
فتح الباب بالعافية وخرج يجري في الخلاء لحد ما وصل البلد وهو بيصرخ وفاقد النطق تقريبًا.
تاني يوم، أهل البلد نزلوا معاه المطحنة. البئر كان زي ما هو، لكن الحجارة المردومة جواه كانت متفتتة لتراب ناعم، وعلى جدران البئر كانت فيه علامات حفر عميقة بأظافر بشرية طالعة من تحت لفوق... أما ياسين، فمن الليلة دي ساب الخفارة، وما بقاش ينام في الضلمة أبدًا، ولحد ما اتوفى سنة 2018، كان دايماً بيردد جملة واحدة بس وهو يبص لأرضية الأوضة: "لسه بيحفروا تحتنا."
تابع جديد احمد عرفه Ahmed 3rafa l
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق