في هذا المقال
سكان الطابق الرابع

القصة:
كان الهدوء في البناية القديمة ثقيلًا ومريبًا، ينبعث منه عبق الرطوبة والغبار العتيق. أقفلت سارة باب شقتها بالمفتاح مرتين، ومشت بضع خطوات نحو الصالة، محاولة الموازنة بين صناديق الأمتعة المتراكمة. كان كل شيء يبدو طبيعيًا في الظاهر، باستثناء ذلك البارد الغريب الذي كان ينساب من زوايا الغرف رغم حرارة الصيف الشديدة.
مع انتصاف الليل، خيم سكون مطبق على البناية. استلقاء سارة على أريكتها كان محاولة للاسترخاء، لكن سكون الليل انكسر فجأة في تمام الساعة الثالثة فجرًا. سمعت صوت خطى ثقيلة تخطو ببطء فوق سقف غرفتها مباشرة. تسارعت ضربات قلبها؛ فقد أكد لها صاحب العقار بوضوح أن الطابق الخامس مغلق بالكامل منذ تسعينيات القرن الماضي ولا يسكنه أحد.
تجاهلت الأمر في البداية واعترتها فكرة أنها مجرد توهمات بسبب الإرهاق. لكن الصوت لم يتوقف، بل بدأ يتغير؛ تحول من مجرد خطوات إلى صوت جرّ جسم ثقيل ومعدني على الأرضية الخرسانية. جلسَت في فراشها، أنفاسها متهدجة وعيونها متسعة تنظر إلى السقف. فجأة، توقفت الضوضاء كليًا، وعمّ صمتٌ أشد رعبًا من الصوت نفسه.
وفجأة، ومن منتصف سقف الصالة تمامًا، بدأت قطرات سوداء داكنة بالتقطير. سقطت القطرة الأولى على الطاولة الخشبية بصوت مكتوم، تلتها قطرة ثانية وثالثة. اقتربت سارة بحذر شديد، لتكتشف أن المادة ليست ماءً، بل سائل لزج ذو رائحة كبريتية كريهة تنقبض لها الأنفاس.
رفعت رأسها لتنظر إلى المطبخ، ورأت يدًا نحيلة ذات أظافر طويلة ومشوهة تتشبث بإطار الباب المظلم، وجسدًا ظليلاً يخرج ببطء شديد، عيناه تلمعان ببريق أحمر غير بشري. ثبتت سارة في مكانها، عاجزة عن الصراخ أو الحركة. اقترب الكائن نحوها بخطوات لا تصدر أي صوت، ولهمس بصوت هسيس قريب جدًا من أذنها: "لقد انتظرناكِ طويلًا.. لا أحد يغادر الطابق الرابع."
في الصباح التالي، وجد الجيران باب الشقة مفتوحًا على مصراعيه، والصناديق مرتبة كما هي، دون أي أثر لسارة، باستثناء بقعة سوداء جافة على السقف، ومفتاح الشقة الملقى على الأرض.
لم تكن تلك سوى البداية؛ ففي الليلة التالية، لم يجرؤ أحد من الجيران على الاقتراب من الشقة رقم أربعة، إلا أن أصوات الصراخ والبكاء الخافت كانت تنبعث من الداخل طوال ساعات الليل، وكأن سارة ما زالت هناك وتستغيث.
وعندما تجرأ صاحب العقار وأحضر رجال الشرطة لفتح الشقة بالقوة، كانت المفاجأة التي جمدت الدماء في عروق الجميع؛ الشقة كانت فارغة تمامًا ومغطاة بطبقة سميكة من الغبار القديم، وكأنها لم تُسكن منذ عقود طويلة، ولم يكن هناك أي أثر لصناديق سارة أو مقتنياتها.
لكن الشيئ الوحيد الذي وجدوه، كان عبارة مكتوبة بخط يد على الجدار الرئيسي للصالة بلون أسود داكن ورائحة كبريتية نفاذة: "الطابق الرابع ليس ملكًا للحيين.. كل من يدخله يصبح جزءًا من أسرارنا."
ومنذ ذلك اليوم، تم إغلاق البناية بالكامل وسد مدخلها بالحجارة. ومع ذلك، يؤكد المارة في الشارع المحادي للبناية أنهم في تمام الساعة الثالثة فجرًا من كل ليلة، يلاحظون ضوءًا خافتًا ينبعث من نافذة الطابق الرابع، ويرون ظلاً لامرأة تقف خلف الزجاج، تنظر إليهم بصمت وتلهمس بكفها على الزجاج قبل أن تختفي في الظلام.
تابع جديد JOO AHMED
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق