في هذا المقال

رسالة عند منتصف الليل
كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة ليلًا عندما عاد كريم إلى منزل العائلة. لم يستطع النوم منذ خروجه من مكتب المحامي، فقد أصبح كل شيء يعرفه عن حياته موضع شك.
فتح باب المنزل، فلاحظ وجود ظرف أبيض أسفل الباب الداخلي. لم يكن عليه اسم المرسل، لكن اسمه كُتب بخط واضح على الوجه الآخر.
حمل الظرف إلى غرفته وأغلق الباب. بداخله صورة قديمة لأمه تقف أمام المنزل، وبجوارها العم فريد، وخلفهما سيارة سوداء لم يرها من قبل.
وعلى ظهر الصورة كُتبت العبارة نفسها:
«أبوك الذي ربّاك لم يكن بريئًا كما تظن».
شعر كريم بأن الهواء اختفى من الغرفة. هل كان عبد الرحمن يعرف ما حدث لأمه؟ وهل أخفى الحقيقة لحماية العائلة، أم لأنه كان جزءًا منها؟
أخرج هاتفه واتصل بمريم.
قالت بصوت ناعس: «فيه إيه يا كريم؟»
أجابها: «لازم تيجي البيت دلوقتي. فيه حد بيبعت لنا رسائل، وواضح إنه عارف اللي حصل ليلة وفاة أمي».
بعد نصف ساعة، وصلت مريم، وما إن رأت الصورة حتى جلست على الأريكة وبدأت تتأملها.
قالت: «استنى… العربية دي أنا شفتها قبل كده».
نظر إليها كريم بسرعة.
«فين؟»
ترددت للحظات، ثم قالت: «كانت موجودة قدام المستشفى يوم وفاة أمي. وقتها قالوا لنا إنها عربية أحد الأقارب، لكنني لا أتذكر مَن كان يقودها».
قبل أن يكمل كريم سؤاله، رن هاتف مريم برسالة من رقم مجهول.
كانت الرسالة قصيرة: «لو عايزين تعرفوا الحقيقة، روحوا للمخزن القديم قبل شروق الشمس. وتعالوا من غير سامح».
المخزن الذي يخفي الماضي
في الخامسة صباحًا، وصل كريم ومريم إلى مخزن قديم كان والدهم يستخدمه لحفظ أوراق التجارة. بدا المكان مهجورًا، والأبواب مغطاة بالغبار.
وجد كريم المفتاح النحاسي الذي عثر عليه في غرفة أمه، وجربه في قفل الباب الجانبي. دار المفتاح بصعوبة، ثم انفتح الباب مصدِرًا صريرًا طويلًا.
في الداخل، كانت هناك صناديق خشبية وملفات متراكمة، وفي نهاية الممر مكتب صغير تغطيه قطعة قماش.
رفع كريم القماش، فوجد درجًا مقفلًا. وبعد محاولات عدة، فتحه باستخدام المفتاح نفسه.
كان بداخله دفتر حسابات قديم، وصورة لعبد الرحمن مع العم فريد، ونسخة من عقد بيع المنزل.
لكن مريم لاحظت أن تاريخ العقد يعود إلى يومين قبل وفاة والدتها، وأن التوقيع المنسوب إلى عبد الرحمن بدا مختلفًا عن توقيعه في بقية الأوراق.
قالت بذهول: «يعني عمي فريد كان بيحاول يسرق البيت قبل وفاة أمي؟»
أجاب كريم: «يمكن، لكن ليه باسمك إنتِ؟»
قلبت مريم صفحات الدفتر، حتى وصلت إلى ورقة تحمل اسم شخص لم يتوقع أي منهما رؤيته.
كان الاسم: سامح منصور.
وبجواره أرقام مالية كبيرة وتواريخ تحويلات تمت على مدار سنوات.
شعر كريم بالغضب.
«أخونا كان عارف بكل ده، وكل مرة كان بيقول إنه مجرد دين أخده من التجارة!»
لكن قبل أن ترد مريم، سمعا صوت باب المخزن يُغلق خلفهما.
استدارا بسرعة، فوجدَا رجلًا يقف في الظلام.
كان سامح.
اعتراف الأخ الأكبر
قال سامح بصوت غاضب: «كنت عارف إنكم هتيجوا هنا. إنتوا فاكرين إنكم كل ما تفتحوا صندوق هتلاقوا الحقيقة كاملة؟»
رفع كريم دفتر الحسابات في وجهه.
«إيه اسمك اللي مكتوب هنا؟ وإيه علاقة عمي فريد بالفلوس دي؟»
تنهد سامح، ثم جلس على صندوق خشبي.
«أنا ما كنتش عايز أوصل الأمور لكده. أبويا طلب مني أساعد عمي فريد في نقل بعض الأموال من حساب التجارة، وقال إن الموضوع مؤقت. بعدين اكتشفت إن عمي بيزوّر أوراق الملكية، وهددني لو اتكلمت».
صرخت مريم: «وأمي؟ كنت تعرف إنه بيهددها؟»
خفض سامح رأسه.
«أيوه. في الليلة الأخيرة، أمي طلبت مني أقابلها في المكتب. قالت إنها عرفت كل حاجة، وإنها هتروح للشرطة الصبح. حاولت أقنعها تستنى، لكنها رفضت».
اقترب كريم منه وسأله: «ولما ماتت؟»
أجاب سامح بصوت مرتجف: «كنت آخر واحد شافها قبل ما أخرج من البيت. كانت عايشة وبتتكلم معايا. أقسم لكم إني ما أذيتهاش».
ساد الصمت، ثم أضاف سامح:
«لكن قبل ما أخرج، سمعت أبي يتصل بعمي فريد ويقول له: خلاص، لازم ننهي الموضوع الليلة».
تراجعت مريم خطوة إلى الخلف.
«أبويا؟!»
لم يستطع سامح الإجابة عن السؤال الذي قرأه في عيني أخته.
وفجأة، دوّى صوت هاتف كريم داخل المخزن. كانت مكالمة من المحامي فؤاد.
رد كريم بسرعة.
قال المحامي بلهفة: «لازم تسمعني كويس. الشرطة عثرت على سيارة العم فريد، وداخلها حقيبة تحتوي على مستندات تخص والدك. لكن هناك شيء أخطر… وجدوا أيضًا تسجيلًا صوتيًا قديمًا».
سأل كريم: «تسجيل لمين؟»
جاءه الرد الذي قلب كل شيء:
«التسجيل لوالدتك، قبل وفاتها بساعات».
النهاية الصادمة: صوت الأم
شغّل المحامي التسجيل عبر الهاتف، فخرج صوت الأم ضعيفًا لكنه واضح:
«عبد الرحمن، أنا عرفت إنك كنت تعرف كل شيء. لكنني لم أتخيل أنك ستسمح لفريد بتهديد ابنك. لو حدث لي شيء، فاعرف أنني احتفظت بالدليل في المكان الذي لا يمكن لأحد أن يبحث فيه».
ثم جاء صوت رجل يرد عليها:
«فات الأوان يا ليلى. لو خرج السر للنور، مش هتكوني وحدك اللي هتخسري كل حاجة».
انقطع التسجيل فجأة.
نظر كريم إلى سامح، ثم إلى مريم، ولم يستطع أحد أن ينطق بكلمة.
لكن المحامي تابع بصوت منخفض:
«هناك مقطع آخر، لم أستطع تشغيله إلا الآن».
عاد التسجيل، وسمع الجميع صوت الأم يقول اسمًا واحدًا قبل أن ينتهي:
«يوسف… هو الوحيد اللي يعرف مين كان موجودًا في الغرفة وقتها».
تجمد كريم.
فيوسف، الرجل الذي ظهر مدعيًا أنه والده الحقيقي، لم يكن مجرد شاهد على الماضي. ربما كان يعرف الحقيقة منذ البداية.
وفي اللحظة نفسها، وصلتهم رسالة جديدة من الرقم المجهول:
«لو عايزين تعرفوا مين قتل أمكم، ابعدوا عن يوسف… لأنه مش الشخص اللي بيقول إنه هو».
يتبع في الجزء الخامس…
تابع جديد محمود محمود
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق