في هذا المقال
آخر قطار إلى قلبك
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، ومحطة القطار شبه خالية إلا من بعض المسافرين المتعبين وأصوات القطارات البعيدة.
جلست ليان على أحد المقاعد، تضم حقيبتها إلى صدرها، وتنظر إلى شاشة هاتفها للمرة الأخيرة. كانت قد اتخذت قرارًا بالرحيل عن المدينة نهائيًا. لم تكن تريد العودة إلى الماضي، ولا إلى الأماكن التي تحمل ذكريات لم تستطع نسيانها.
كانت تنتظر القطار الأخير.
وفجأة جلس شاب بجانبها، يلهث وكأنه كان يركض منذ دقائق.
قال وهو يحاول التقاط أنفاسه:
“لو سمحتي... القطار المتجه للقاهرة لسه مجاش؟”
نظرت إليه ليان وقالت:
“لسه، بس أنت شكلك وصلت في آخر لحظة.”
ابتسم الشاب.
“يمكن دي عادتي... أو يمكن أنا دايمًا بوصل متأخر.”
لم تعرف ليان لماذا ابتسمت.
كان اسمه آدم.
بدأ الحديث بينهما بشكل عابر، عن القطار، وعن الطقس، وعن سبب السفر في هذا الوقت المتأخر. لكن شيئًا غريبًا حدث.
كل دقيقة كانت تمر جعلت ليان تشعر أنها تعرفه منذ سنوات.
سألها آدم:
“مسافرة ليه؟”
صمتت للحظات ثم قالت:
“عشان أنسى.”
سألها:
“وإنتِ فاكرة إن السفر بيخلّي الإنسان ينسى؟”
نظرت إليه.
“أمال أعمل إيه؟”
ابتسم بحزن.
“يمكن المشكلة مش في المكان... يمكن في الحاجة اللي سايبينها جوانا.”
قبل أن تستطيع الرد، سمعا صوت القطار يقترب.
وقفت ليان وأمسكت حقيبتها.
قال آدم:
“ده قطارك.”
أومأت.
ثم سألته:
“وإنت؟”
أجاب:
“أنا كمان.”
صعدا إلى العربة نفسها، وجلس كل منهما في مقعد بعيد عن الآخر.
تحرك القطار.
كانت المدينة تختفي خلف النوافذ تدريجيًا، بينما ظلت ليان تنظر إلى الظلام خارجها.
بعد دقائق، اقترب آدم منها وقال:
“ممكن أسألك سؤال؟”
قالت:
“اتفضل.”
“لو كان عندك فرصة ترجعي لشخص واحد من الماضي... مين تختاري؟”
نظرت إليه طويلًا.
“الشخص اللي خسرته بسبب خوفي.”
سكت آدم.
ثم قال:
“يمكن هو لسه مستنيكي.”
ابتسمت بحزن.
“لا... هو سافر من زمان.”
تغير وجه آدم فجأة.
أخرج من جيبه صورة قديمة، ووضعها أمامها.
تجمدت ليان.
كانت الصورة لها.
نفس الوجه.
نفس الفستان.
لكن الصورة كانت قديمة جدًا.
قال آدم بصوت منخفض:
“أنا مش مسافر علشان أهرب من الماضي.”
نظرت إليه بصدمة.
“أمال إنت مسافر ليه؟”
أجاب:
“علشان أرجع للشخص الوحيد اللي عمري ما قدرت أنساه.”
بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.
“آدم؟”
ابتسم.
“أيوه.”
لم تستطع الكلام.
كان آدم هو حبها الأول، الشخص الذي اختفى من حياتها قبل سنوات دون تفسير، بعدما ظنت أنه اختار الرحيل عنها.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
كان قد ترك المدينة مجبرًا بسبب ظروف عائلية قاسية، وظل يبحث عنها لسنوات، حتى وجد حسابها بالصدفة وعرف أنها ستغادر المدينة في تلك الليلة.
لذلك جاء إلى المحطة.
كان القطار يهتز تحت أقدامهما، والليل يمر خلف النوافذ كفيلم طويل.
قالت ليان:
“ليه ما رجعتش بدري؟”
خفض آدم عينيه.
“كنت خايف.”
ضحكت وهي تبكي.
“وأنا كمان.”
ثم ساد بينهما صمت طويل.
لكنه لم يكن صمتًا مؤلمًا هذه المرة.
كان صمت شخصين أدركا أن بعض القصص لا تنتهي عندما نفترق، بل تتوقف فقط حتى يحين الوقت المناسب.
بعد ساعات، وصل القطار إلى المحطة الأخيرة.
نزل الجميع.
أما ليان وآدم فظلا واقفين أمام القطار.
سألها:
“هتكملي السفر؟”
نظرت إلى الطريق أمامها، ثم إليه.
ابتسمت وقالت:
“مش لوحدي.”
مد آدم يده إليها.
أمسكتها.
وفي اللحظة التي بدأ فيها القطار بالتحرك من جديد، كانت ليان تعرف شيئًا واحدًا فقط:
أحيانًا يكون آخر قطار في حياتك... هو أول طريق لقصة حب جديدة.
تابع جديد Mahmoud Ashraf
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق