في هذا المقال

كتاب قديم وسر لم يكن من المفترض أن يُكتشف
في صباح شتوي هادئ، كان سامح يسير بين الأكشاك القديمة في وسط المدينة. بلغ الثانية والأربعين من عمره، وأصبح يعيش حياة منظمة تخلو من المفاجآت. يعمل مهندسًا في إحدى الشركات، يعود إلى منزله كل مساء، ويقضي بقية يومه بين الكتب والقهوة والصمت.
لم يكن تعيسًا بالمعنى المعروف، لكنه كان يشعر بأن جزءًا منه توقف عند محطة قديمة، في زمن لم يعد يتذكر منه سوى بعض الوجوه والأغاني.
توقف أمام بائع كتب، واختار رواية قديمة ذات غلاف أزرق باهت. وعندما وصل إلى المنزل وفتح صفحاتها، سقطت منها ورقة صغيرة مطوية بعناية.
كانت الرسالة تقول:
«إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فربما أصبحتَ الشخص الذي تمنيت أن أقابله، وربما أصبحنا غريبين لا يعرف أحدنا الآخر. لا أعرف أين ستكون بعد عشرين عامًا، لكنني أعرف أنني أحببتك بصدق، وأنني لم أرحل لأنني أردت الرحيل».
لم يكن هناك اسم كامل، فقط حرف واحد في النهاية: «م».
شعر سامح بانقباض غريب. فقد تذكر فتاة أحبها في شبابه، اسمها مريم، اختفت من حياته فجأة بعد أن أخبرته أسرتها أنها سافرت مع أهلها إلى مدينة بعيدة. حاول الوصول إليها وقتها، لكن جميع محاولاته انتهت بالفشل.
هل يمكن أن تكون الرسالة لها؟
البحث عن صاحبة الحرف الغامض
قضى سامح أيامًا يحاول معرفة مصدر الكتاب. عاد إلى البائع وسأله عن صاحبه السابق، لكن الرجل لم يتذكر سوى أنه اشتراه ضمن مجموعة كتب من سيدة مسنة كانت تبيع بعض مقتنياتها.
لم يستسلم سامح. وبعد بحث طويل، عثر على اسم معرض صغير للكتب المستعملة كان مذكورًا على ملصق قديم داخل الغلاف. ذهب إلى المعرض، وهناك قابل سيدة تعرفت على الكتاب.
قالت له إن صاحبة المجموعة كانت تدعى مريم، وإنها كانت تأتي إلى المعرض كل شهر تقريبًا قبل أن تتوقف عن الزيارة منذ عدة سنوات.
أعطته السيدة عنوان مكتبة صغيرة تديرها مريم في حي هادئ.
في اليوم التالي، وقف سامح أمام باب المكتبة. رأى امرأة تقف خلف مكتب خشبي، ترتب الكتب وتضع نظارتها فوق رأسها. كانت ملامحها أكثر نضجًا، وشعرها يحمل خيوطًا فضية، لكنها كانت مريم نفسها.
رفع عينيه نحوها، فتوقفت يدها عن الحركة.
قال بصوت متردد: «مريم؟».
لم تجبه فورًا. نظرت إليه طويلًا، ثم همست: «سامح؟ كنت أعتقد أنك نسيتني منذ زمن».
الحقيقة التي أخفاها الماضي
جلسا في المكتبة، وبينهما فنجانا قهوة لم يلمسهما أحد. أخبرته مريم أنها لم تغادر المدينة بإرادتها. فقد تعرض والدها لأزمة مالية كبيرة، واضطرت الأسرة إلى الانتقال، ثم فقدت مريم هاتفها القديم ووسيلة التواصل معه. حاولت مراسلته برسائل لم تصل إليه، قبل أن تكتشف بعد سنوات أن بعض الأشخاص تعمدوا إخفاء أخبارهما عن بعضهما.
أما سامح، فقد أخبرها أنه انتظرها طويلًا، لكنه صدق في النهاية أنها اختارت الابتعاد.
لم يكن الماضي بسيطًا، ولم تستطع الكلمات محو السنوات التي عاشاها منفصلين. فقد تزوجت مريم لفترة قصيرة، ثم انفصلت، وأصبح لديها ابن يدرس في الجامعة. أما سامح، فقد عاش تجربة خطوبة لم تكتمل، ثم انشغل بعمله حتى أقنع نفسه بأن الحب أصبح ذكرى بعيدة.
سألته مريم: «هل جئت لتعرف لماذا رحلت، أم لتعيد شيئًا انتهى؟».
أجابها: «جئت لأنني لم أعد أريد أن أعيش بقية عمري وأنا أتساءل عما كان يمكن أن يحدث».
حين يصبح العمر بداية لا نهاية
لم يعودا شابين يعتقدان أن الحب وحده يكفي لبناء الحياة. كانا يعرفان أن لكل منهما مسؤوليات وذكريات وجروحًا تحتاج إلى وقت. لذلك لم يقررا الارتباط في اليوم نفسه، ولم يتصرفا وكأن عشرين عامًا يمكن محوها في جلسة واحدة.
بدلًا من ذلك، بدأ سامح يزور المكتبة كل أسبوع. كان يساعد مريم في ترتيب الكتب، ويتحدثان عن الأفلام التي شاهداها، والمدن التي تمنيا زيارتها، والأحلام التي تركاها خلفهما.
بعد أشهر، اقترحت مريم تنظيم أمسية للقراءة في المكتبة. حضر سامح، وجلس في الصف الأول، وعندما انتهت الأمسية أخرج من حقيبته الرواية ذات الغلاف الأزرق.
قال لها: «أظن أن هذا الكتاب كان ينتظر صاحبه الحقيقي».
ابتسمت وهي تأخذ الرسالة من يده، ثم قالت: «ربما لم يكن ينتظر صاحبه، بل كان ينتظر الوقت المناسب».
في تلك الليلة، خرجا معًا تحت مطر خفيف. لم يتبادلا وعودًا كبيرة، ولم يقولا إن الحياة ستصبح مثالية. اكتفيا بأن يمشي كل منهما بجوار الآخر، دون خوف من الغد.
الخاتمة
لم تمنح الصدفة سامح ومريم شبابهما من جديد، لكنها منحتهما شيئًا ربما كان أثمن: فرصة لفهم الماضي دون أن يظلا أسرى له. فقد لا يعود بعض الأشخاص إلى حياتنا في الوقت الذي نريده، لكن ذلك لا يعني أن كل الأبواب أُغلقت إلى الأبد.
أحيانًا لا تكون أجمل قصص الحب هي التي تبدأ مبكرًا، بل تلك التي تمنح أصحابها الشجاعة ليبدؤوا من جديد، حتى بعدما أقنعوا أنفسهم بأن الحكاية انتهت.
تابع جديد Mahmoud Ashraf
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق