ليلة القطار الاخيره
ليلة القطار الأخيرة
في إحدى ليالي الشتاء الباردة، كانت السماء مغطاة بغيوم كثيفة حجبت ضوء القمر، بينما كانت الرياح تعصف بين الأشجار الجافة محدثة أصواتًا تشبه الهمسات. كانت محطة القطار القديمة تبدو مهجورة، ولم يبق فيها سوى موظف مسن يجلس خلف نافذة التذاكر، ينظر إلى الساعة بين الحين والآخر وكأنه ينتظر شيئًا يعرف أنه سيحدث.
وصل شاب يُدعى كريم إلى المحطة وهو يحمل حقيبة صغيرة. كان في طريقه إلى مدينة بعيدة بعد أن تلقى عرض عمل لم يكن يستطيع رفضه. نظر إلى لوحة المواعيد، فوجد أن القطار الوحيد المتبقي هو "القطار الأخير"، المقرر انطلاقه عند منتصف الليل تمامًا.
اقترب كريم من الموظف وسأله:
"هل هذا القطار يذهب إلى مدينة النور؟"
رفع الموظف رأسه ببطء وقال بصوت منخفض:
"نعم... لكنه لا يتوقف في أي محطة حتى يصل إلى وجهته. وإذا صعدت إليه، فلا تنظر من النافذة بعد منتصف الليل."
ابتسم كريم ظنًا منه أن الرجل يمزح، فأخذ تذكرته وتوجه إلى الرصيف.
عندما وصل القطار، لاحظ أنه قديم جدًا، وكأن الزمن توقف عنده منذ عشرات السنين. كانت عرباته مطلية بلون أسود باهت، ونوافذه تعكس الظلام بدلًا من الضوء. ومع ذلك، صعد إلى إحدى العربات وجلس وحده، فلم يكن هناك سوى عدد قليل من الركاب الذين جلسوا بصمت دون أن ينطق أحدهم بكلمة.
انطلق القطار ببطء، ثم ازدادت سرعته حتى أصبح صوت عجلاته يملأ المكان. نظر كريم إلى ساعته، فوجد أنها تشير إلى الثانية عشرة تمامًا. تذكر تحذير الموظف، لكنه لم يهتم كثيرًا.
بعد دقائق قليلة، بدأ يشعر بأن الجو أصبح أكثر برودة من المعتاد، رغم أن النوافذ كانت مغلقة. لاحظ أيضًا أن الركاب لم يتحركوا منذ بداية الرحلة، ولم يغير أي منهم وضعيته.
لم يستطع مقاومة فضوله، فاقترب من النافذة ونظر إلى الخارج.
كانت الأشجار تمر بسرعة، لكن الغريب أنها لم تكن تتحرك مع الرياح. وفجأة، لمح أشخاصًا يقفون على جانبي السكة الحديدية، جميعهم يرتدون ملابس قديمة ويحدقون مباشرة في القطار. كانت وجوههم شاحبة، وعيونهم خالية من أي تعبير.
ابتعد كريم بسرعة عن النافذة وهو يشعر بالخوف، لكنه سمع صوتًا خافتًا يأتي من المقعد المقابل:
"لقد رأيتهم... أليس كذلك؟"
نظر أمامه، فوجد رجلًا عجوزًا لم يكن موجودًا قبل لحظات.
قال الرجل:
"كل من ينظر من النافذة بعد منتصف الليل يراهم. إنهم ركاب القطار الذين لم يصلوا إلى وجهتهم أبدًا."
ارتجفت يدا كريم، وسأل بصوت متقطع:
"ماذا تقصد؟"
أجاب العجوز:
"منذ سنوات طويلة، وقع حادث مروع لهذا القطار، ومنذ ذلك اليوم يعود في بعض الليالي ليكمل رحلته... لكنه لا يحمل الأحياء فقط."
ساد الصمت، ثم انطفأت الأنوار فجأة.
لم يعد يسمع سوى صوت القطار وصوت أنفاسه المتسارعة. وبعد ثوانٍ، عادت الأنوار للعمل، لكن جميع الركاب أصبحوا ينظرون إليه في الوقت نفسه.
كانت عيونهم سوداء تمامًا، ووجوههم بلا ملامح.
نهض كريم محاولًا الهرب إلى العربة التالية، لكنه وجد الباب مغلقًا بإحكام. حاول فتحه بكل قوته، لكن دون جدوى.
ثم سمع إعلانًا عبر مكبر الصوت يقول:
"المحطة الأخيرة... الرجاء استعداد جميع الركاب للنزول."
توقف القطار وسط ضباب كثيف. فتح الباب وحده، لكن خارج القطار لم تكن هناك محطة، بل أرض رمادية تمتد بلا نهاية، تتناثر فيها أعمدة إنارة قديمة لا يصدر عنها أي ضوء.
بدأ الركاب ينزلون ببطء، يسيرون في صمت تام نحو الضباب حتى اختفوا داخله.
شعر كريم بأن قوة غريبة تدفعه للنزول معهم، لكنه تمسك بأحد المقاعد بكل ما يملك من قوة. أغمض عينيه وبدأ يردد أي كلمات يتذكرها ليقاوم ذلك الشعور.
فجأة، انطلق القطار مرة أخرى بعنف، وعادت الأنوار إلى طبيعتها.
فتح كريم عينيه ليجد نفسه وحيدًا داخل العربة، وكأن شيئًا لم يحدث.
بعد دقائق، وصل القطار إلى مدينة النور بالفعل. نزل وهو يلهث من شدة الخوف، وعندما التفت لينظر إلى القطار، لم يجد أي أثر له، وكأنه اختفى في الهواء.
في صباح اليوم التالي، ذهب إلى مكتبة المدينة يبحث عن أي معلومات حول ذلك القطار. وبعد ساعات من البحث، وجد صحيفة قديمة تعود إلى أكثر من خمسين عامًا، تتحدث عن حادث مأساوي لقطار خرج عن مساره في ليلة شتوية، ولم ينجُ منه أحد.
وكانت الصورة المرفقة للخبر تُظهر القطار نفسه الذي استقله... وفي الصف الأول من الركاب، ظهر وجه كريم بوضوح، رغم أن الصورة التُقطت قبل ولادته بعقود.
أغلق الصحيفة وهو يشعر بقشعريرة تسري في جسده، لكن الصدمة الحقيقية كانت عندما نظر إلى ساعته، فوجد أن عقاربها توقفت عند منتصف الليل تمامًا، ومنذ تلك الليلة لم تعمل مرة أخرى.
ومنذ ذلك الحين، يتناقل سكان المدينة حكاية غامضة تقول إن "ليلة القطار الأخيرة" ليست مجرد قصة خيالية، بل رحلة لا يعود منها الجميع كما كانوا، وأن من يرى ذلك القطار الأسود في ليلة شتوية هادئة، عليه أن يبتعد عنه مهما كانت وجهته، لأن بعض القطارات لا تنقل الركاب إلى المدن... بل إلى أسرار لا ينبغي للبشر اكتشافها.
