رحلة القطار الاخيره

رحلة القطار الاخيره

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

رحلة القطار الأخيرة

في إحدى ليالي الشتاء الباردة، كان الضباب يغطي محطة القطار القديمة، بينما كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل. وقف عدد قليل من المسافرين على الرصيف في صمت، ينتظرون القطار الأخير الذي كان من المفترض أن يغادر في تمام الثانية عشرة. كانت المحطة تبدو مهجورة على غير العادة، ولم يكن يُسمع سوى صوت الرياح وهي تصطدم بالنوافذ القديمة وصفيرها بين الأعمدة الحديدية.

كان من بين الركاب شاب يُدعى آدم، عاد إلى مدينته بعد سنوات طويلة من الغربة. حمل حقيبة صغيرة فقط، وكأنه ترك خلفه كل ما عاشه في السنوات الماضية. جلس على أحد المقاعد الخشبية داخل العربة الأخيرة، وراح يتأمل الوجوه الصامتة من حوله. كان هناك رجل مسن يقرأ كتابًا قديمًا، وامرأة تحمل طفلًا نائمًا، وشاب يحدق في النافذة دون أن يتحرك، وكأن لكل واحد منهم قصة يخفيها عن الآخرين.

انطلق القطار ببطء، ثم أخذت سرعته تزداد شيئًا فشيئًا. كانت الأضواء الخارجية تختفي وسط الظلام، بينما كان صوت عجلات القطار على القضبان يصنع إيقاعًا غريبًا يبعث على التأمل والقلق في الوقت نفسه. شعر آدم بأن هذه الرحلة تختلف عن أي رحلة خاضها من قبل، فقد كان الصمت يسيطر على الجميع، حتى عامل التذاكر لم يظهر منذ انطلاق القطار.

بعد مرور ساعة تقريبًا، بدأ القطار يمر بمحطات لم يكن اسم أي منها مألوفًا. حاول آدم قراءة اللوحات المعلقة، لكنها كانت باهتة وكأن الزمن قد محا حروفها. سأل الرجل المسن عن اسم المحطة التالية، فاكتفى بابتسامة هادئة وقال: "ستعرف عندما يحين الوقت." كانت إجابته غامضة، لكنها أثارت فضول آدم أكثر.

مع استمرار الرحلة، بدأت ذكريات الماضي تعود إلى ذهنه. تذكر طفولته، وأصدقاءه الذين افترق عنهم، وأحلامه التي تخلى عنها بسبب ظروف الحياة. شعر وكأن القطار لا يسير فوق القضبان فقط، بل يعبر أيضًا بين محطات عمره المختلفة، فيعيد إليه لحظات ظن أنها انتهت إلى الأبد.

فجأة انطفأت أنوار العربة لثوانٍ قليلة، ثم عادت من جديد. لكن عندما رفع آدم رأسه، لاحظ أن بعض الركاب قد اختفوا دون أن يراهم يغادرون. بقيت المقاعد التي كانوا يجلسون عليها فارغة تمامًا، وكأنهم لم يكونوا موجودين منذ البداية. حاول سؤال المرأة التي كانت تحمل الطفل، لكنه لم يجدها هي الأخرى.

ازدادت حيرته، فاتجه إلى مقدمة القطار بحثًا عن السائق أو أي موظف يمكنه تفسير ما يحدث. مر بعربات كثيرة، لكنها كانت خالية تمامًا، حتى وصل إلى غرفة القيادة. فتح الباب ببطء، لكنه لم يجد أحدًا. كان القطار يسير بسرعة كبيرة دون قائد، بينما كانت صفارة القطار تُطلق صوتًا طويلًا اخترق سكون الليل.

عاد مسرعًا إلى عربته، ليجد الرجل المسن ما يزال جالسًا يقرأ كتابه بهدوء. سأله بصوت مرتجف: "كيف يتحرك القطار بلا سائق؟ وأين اختفى الجميع؟" أغلق الرجل كتابه، ونظر إليه بعينين مليئتين بالحكمة، ثم قال: "بعض الرحلات لا تحتاج إلى قائد، لأنها تعرف طريقها منذ البداية. أما الركاب، فإن كل واحد منهم ينزل في المحطة التي تمثل نهاية حكايته."

ساد الصمت من جديد، بينما شعر آدم بقشعريرة تسري في جسده. نظر من النافذة، فلم يرَ سوى ضباب كثيف يبتلع كل شيء. وبعد دقائق، بدأ القطار يخفف سرعته حتى توقف أمام محطة صغيرة لا تحمل اسمًا. فتح الباب تلقائيًا، وسمع صوتًا هادئًا يدعوه للنزول.

تردد للحظة، لكنه حمل حقيبته ونزل إلى الرصيف. وما إن استدار لينظر إلى القطار، حتى انطلقت صفارته مرة أخيرة، ثم تحرك ببطء واختفى داخل الضباب، وكأنه لم يكن موجودًا من الأساس. بقي آدم واقفًا وحده، ثم لاحظ لوحة قديمة كُتب عليها: "كل رحلة تنتهي، لكن الذكريات هي التي تواصل السير."

ابتسم للمرة الأولى منذ سنوات، وأدرك أن الرحلة لم تكن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كانت مواجهة مع ماضيه، وفرصة ليغلق صفحات ظل يحملها في قلبه طويلًا. سار نحو الطريق المؤدي إلى بلدته، وقد شعر بخفة لم يعرفها من قبل، وكأن القطار الأخير لم ينقله إلى مكان جديد فقط، بل أعاده إلى نفسه، ومنحه بداية مختلفة لحياة جديدة.

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Moaz Zezo تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

7

متابعهم

11

مقالات مشابة
-