لو غريمك الدولة على من تشتكي....؟
عندما تكون الغريم هي الدولة فالشكوى لغير الله مذلة..
كان يجلس رجلاً في ليلة هادئة، يرتشف القهوة في شرفة منزله، ويظن أن جدران بيته هي حصنه المنيع، قبل أن تطرق باب بيته يدٌ لاقِبل له بها..رجلٌ قضى عمره يزن الأمور بميزان الحق والباطل، ويؤمن إيمانا مطلقا أن القانون هو المظلة التي تقي الجميع من هجير الظلم.. وفي ليلة حلكاء قلبَتْ حياته رأساً على عقب، وتعلم أن المظلات قد تتحول أحياناً إلى سيوف مُصلتة فوق الرقاب..
تبدأ قصته من تلك الأرض الصغيرة التي ورثها عن أبيه في أطراف المدينة.. أرضٌ غرس فيها عروقه قبل أشجاره، وكانت هي الملاذ الآمن والأمل لغدٍ أفضل. وفي صباح يومٍ مشؤوم، جائته الأنباء بأن جرافاتٍ ضخمة، تحت حراسة أطقم عسكرية مدججة بالسلاح قد تجمعت واقتحمت الأرض وبدأت بهدم السور وتجريف الشجر.. هرع الرجل إلى هناك والشرر يتطاير من عينيه وصرخ في وجه الضابط المسؤول:-
هذه أرضي!.. هذا ملكي
بقوة القانون ومعي
البصائر والوثائق التي
تثبت ذلك!"..
نظر إليه الضابط بنظرة باردة، لم ينفعل ولم يجادل، بل اكتفى بإخراج ورقة رسمية مختومة بختم "المصلحة العامة" وجهة سيادية نافذة.. وقال له بنبرة هادئة حملت في طياتها كل أنواع السخرية الكونية:-
“الأرض صودرت لأمرٍ يتعلق بأمن الدولة ومشاريعها الحيوية.. اذهب واشتكي إن شئت.”
وفي دهاليز القضاء
لم يستسلم الرجل في بادئ الأمر. حمل حقيبته المليئة بالأوراق الرسمية، والوثائق المغلفة بالنايلون لحمايتها، وتوجه إلى المحاكم..
تنقل بين غرف القضاة ومكاتب المحامين لأشهر طويلة.. كان يظن أن القانون أعمى لايرى سوى الحقيقة، لكنه اكتشف أنه في بعض الأحيان يرى وبندم شديد نوع الخصم قبل أن يصدر الحكم..
كان كلما قدم دليلاً، واجهه القاضي بتأجيلٍ جديد، أو بطلب وثيقة تعجيزية أخرى. كان المحامون يتهامسون خلف ظهره، وبعضهم كان ينسحب من القضية بمجرد قراءة اسم "الجهة المدعى عليها". وفي أحد الأيام، بعد جلسة ماراثونية انتهت بتأجيل غير مبرر لستة أشهر أخرى، جلس معه محامٍ كهل، تخط الشيب عارضيه في مقهى صغير قبالة مبنى المحكمة ونظر إلى وجهه المتعب، وتنهد تنهيدة خرجت من أعماق قلبه، ثم قال للرجل:-
"يا رجل، خصمك ليس
تاجراً جشعاً يمكنك
مقاضاته، وليس جاراً
متعدياً يمكن ردعه
بالشرطة.. بل خصمك هو
من يملك القوة، والشرطة،
والمحكمة ذاتها..
اسمعها مني ونصيحة لوجه الله:-
لو غريمك الدولة.. على من تشتكي؟
ولوقع الصدمة وحكمة الأجداد
نزلت الكلمة عليه كالصاعقة. لو غريمك الدولة.. على من تشتكي؟..فعلاً..…
عبارة لطالما سمعها في الأمثال الشعبية المتداولة بين العجائز، وكان يعتبرها مجرد مثل عابر ضرباً من السلبية والانهزامية.. لكن في تلك اللحظة في ذلك المقهى الضيق، تذوق طعمها المرير.. إنها ليست مجرد مثل، بل هي توصيف دقيق لمعادلة القوة المختلة، حيث يصبح الخصم هو الحكم، وحيث تذوب نصوص القوانين أمام سلطة النفوذ.
عاد إلى بيته في تلك الليلة، ولم يستطع النوم. كيف للمرء أن يرفع تظلمه إلى قاضٍ، ورواتب هذا القاضي ومستقبله المهني بِيَد خصمك؟
كيف تطلب الحماية من جندي، والآمر بنهبك هو رئيسه؟
تراءت له صور أجداده وهم يرددون هذه المقولة بأسى، وكأنهم كانوا يختصرون قروناً من القهر الإنساني في سبع كلمات..
المواجهة النفسية والقبول..
مرت السنوات، وخسر الأرض تماماً، وبُني عليها مبنى شاهق لايجرأ حتى على النظر إليه.. لم تخسر نفسه كرامتها، لك

نه ربح فهماً أعمق للحياة.. أدرك أن هذه المقولة، رغم قسوتها، لاتدعو إلى الاستسلام المطلق، بل هي دعوة لإعادة توجيه البوصلة.
عندما تغلق الأرض أبوابها، وتصبح المؤسسات التي أُنشئت لحمايتك هي من تلتهم حقك، ينتهي دور القوانين الوضعية ويبدأ الإيمان المطلق بالعدالة الإلهية..
اليوم عندما يسأله أي شخص تعرض لظلم من جهة نافذة، أو سلبت منه حقوقه باسم "النظام"، لا يملك إلا أن يبتسم بمرارة، ويضع يده على كتفه قائلاً:-
يابني، لقد صاغ أجدادنا
الحكمة من واقع الدموع..
إذا كان غريمك الدولة، فلا
تضيع عمرك في أروقة
المحاكم الأرضية، بل ارفع
ملف قضيتك إلى محكمة
السماء، فحين يكون
الخصم هو الحَكَم، لا
منجاة إلا بالشكوى لمن لا يغفل ولاينام…