البيت الذي يهمس ليلاً

البيت الذي يهمس ليلاً
لم يكن أحد في القرية يقترب من ذلك المنزل بعد غروب الشمس. كان قائمًا عند أطراف الطريق الترابي، تحيط به أشجار سرو طويلة تحجب عنه الضوء حتى في وضح النهار. سقفه مائل قليلًا، ونوافذه داكنة كأنها عيون مغلقة منذ زمن. ومع ذلك، حين قرر مازن الانتقال إليه مع زوجته هدى وابنهما الصغير ياسر، لم يرَ فيه سوى فرصة لبداية جديدة بعيدًا عن ضوضاء المدينة.
في الأيام الأولى بدا كل شيء عاديًا. صحيح أن الأرضيات الخشبية كانت تصدر صريرًا خافتًا، وأن الهواء في الداخل أبرد من الخارج، لكن ذلك أمر طبيعي في بيت قديم. حاول مازن تجاهل نظرات أهل القرية وتحذيراتهم المبهمة. كانوا يقولون فقط: “لا تصغوا لما يقوله البيت بعد منتصف الليل.”
في الليلة الثالثة، استيقظ ياسر وهو يبكي. ركضت هدى إلى غرفته لتجده جالسًا في سريره، يحدق في الحائط المقابل.
سألته بخوف: “ما بك يا حبيبي؟”
أجاب بصوت مرتجف: “الجدار يتكلم معي… يقول إنني أستطيع أن أسمعه أفضل منكم.”
ضحك مازن حين أخبرته هدى في الصباح، واعتبر الأمر كابوسًا عابرًا. لكن في تلك الليلة، بينما كان مستلقيًا بجوار زوجته، سمع بوضوح صوتًا خافتًا يشبه التنفس، يتردد بين الجدران. لم يكن صوت رياح، بل همسات متقطعة، كأن أحدهم يحاول تذكر كلمات منسية.
“ما… زن…”
تجمد الدم في عروقه. نهض فجأة، وأضاء المصباح. ساد الصمت.
تكررت الهمسات في الليالي التالية، تزداد وضوحًا وحدة. كانت تنادي كل فرد باسمه، وأحيانًا تضحك ضحكة قصيرة مكتومة. بدأت الأبواب تُغلق وحدها، والمصابيح تومض بلا سبب. أما ياسر، فصار أكثر هدوءًا، يقضي ساعات محدقًا في الزوايا وكأنه يستمع لشيء لا يسمعه سواه.
في إحدى الأمسيات، اختفت هدى فجأة. كانت في المطبخ، ثم لم تعد هناك. بحث مازن في كل أرجاء المنزل وهو يناديها بجنون. وفجأة، سمع صوتها… لكنه لم يأتِ من الغرف.
جاء من داخل الجدار.
“مازن… لا تحاول إخراجي… إنه لا يحب الإزعاج…”
ضرب الحائط بقبضته، فاهتز البيت كله، وتعالت الهمسات فجأة في تناغم مرعب. لم تعد مجرد صوت واحد، بل عشرات الأصوات، رجالًا ونساءً وأطفالًا، كلها تهمس في وقت واحد: “ابقوا… ابقوا معنا…”
تراجع مازن مذعورًا، ليجد ياسر يقف خلفه مبتسمًا بهدوء غريب.
قال الطفل بصوت لا يشبه صوته: “البيت كان وحيدًا… والآن أصبح لديه عائلة.”
انطفأت الأنوار، وغرق المنزل في ظلام كثيف. استمرت الهمسات، لكن هذه المرة لم تكن خافتة؛ كانت واضحة، سعيدة، ممتنة.
في الصباح، مرّ أحد سكان القرية قرب البيت. بدا كل شيء هادئًا كعادته. لا حركة، لا أصوات. لكن إن اقترب أحد من الجدران، ووضع أذنه عليها، فقد يسمع همسة خفيفة… تنادي باسمه، وتعده بأن الوحدة لن تطاله أبدًا.
فالبيت الذي يهمس ليلًا… لا يبحث عن ضحايا.
إنه يبحث عن من يبقى معه إلى الأبد.