تزييف المصطلحات: "العروبية" كبديل علمي وتاريخي لأسطورة "السامية"

تزييف المصطلحات: "العروبية" كبديل علمي وتاريخي لأسطورة "السامية"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

تزييف المصطلحات: "العروبية" كبديل علمي وتاريخي لأسطورة "السامية"

أدوات يدوية حمراء وفضية

 المقدمة

تُعد اللغة المرآة العاكسة لهوية الشعوب وجذورها التاريخية، إلا أن الصراعات السياسية والأيديولوجية غالباً ما تتسلل إلى أروقة البحث العلمي لفرض مصطلحات تخدم أجندات معينة. ومن أبرز هذه المغالطات التي استقرت في الأوساط الأكاديمية مصطلح "السامية"، الذي أطلقه المستشرقون لتصنيف مجموعة من اللغات والشعوب بناءً على مرويات توراتية تفتقر للدقة التاريخية. تأتي هذه المقالة لتسلط الضوء على التقدم في الدراسات اللغوية المقارنة، وتكشف زيف هذا المصطلح، مستعرضةً الأدلة التي تؤكد أن "الجزيرة العربية" هي الموطن الأم، وأن "العروبية" هي التسمية الأصدق لغوياً وأنثربولوجياً لهذا الإرث الحضاري العريق.

شهدت الدراسات اللغوية المعاصرة طفرة في العمق والسعة، مكنت العلماء من تصنيف اللغات إلى أسر بناءً على الروابط الصوتية والنحوية والمعجمية، وبرزت "الأسرة الآرية" و"الأسرة العروبية" (المسماة خطأً بالسامية) كأعظم الأسر حضارة في التاريخ. وبينما تضم الآرية معظم لغات الغرب، تشمل العروبية لغات قلب العالم القديم، التي كشفت الحفريات في العراق والشام ومصر واليمن عن نصوصها العريقة، مثل الأكادية والبابلية والكنعانية والأوغاريتية، وصولاً إلى المعينية والسبئية، مما أتاح للعلماء وضع معاجم وقواعد دقيقة لهذه اللغات المندثرة.

أثبتت الدراسات المقارنة أن هذه اللغات ترجع في جوهرها إلى أصل لغوي واحد، بل كانت في الحقيقة لهجات للغة "أم" واحدة، وتعد لغتنا العربية الحالية هي الأقرب لتلك الأم بفضل خصائصها الذاتية وحفظ القرآن الكريم لها. إن الشعوب التي تحدثت هذه اللهجات تنتمي لعنصر واحد وموطن واحد هو "الجزيرة العربية"، التي عُرفت منذ آلاف السنين بـ "بلاد العرب"، ومنها تفرعت القبائل وهاجرت نحو الأراضي الخصيبة في العراق والشام ومصر بسبب القحط أو الحروب، حاملةً معها بذور لغتها العروبية الأولى.

يعود أصل مصطلح "السامية" إلى العالم الألماني "شلوتزر" في القرن الثامن عشر، الذي استلهم التسمية من "سام بن نوح" بناءً على نصوص التوراة. ورغم محاولته إيجاد تسمية عاجلة في ظل جهل الدراسات آنذاك بلغات كالمعينية والأوغاريتية، إلا أن التقسيم التوراتي كان سياسياً بامتياز؛ فقد أدخل شعوباً غريبة كالعيلاميين والليديين في نسب سام لعلاقتهم الحسنة باليهود، بينما أخرج الكنعانيين (أجداد الفلسطينيين) من هذا النسب بسبب العداء التاريخي، مما يؤكد أن المصطلح بني على "هوى سياسي" لا حقيقة عرقية.

استغل علماء المستشرقين اليهود هذا المصطلح بذكاء لإضفاء صبغة القداسة والعراقة على توراتهم، موهمين العالم بأن العبرية هي أصل هذه اللغات وأهمها. بل نجحوا في حصر مسمى "السامية" في أنفسهم فقط داخل المجتمعات الغربية، لدرجة أن عداء اليهود صار يسمى "معاداة السامية"، متجاهلين بقية الشعوب العربية التي هي أحق بهذا الوصف تاريخياً، رغم أن الدراسات الحديثة ترجح أن لا صلة نسب حقيقية بين يهود اليوم وتلك الشعوب العروبية القديمة، بل هم دخلاء عليها منذ القدم.

انطلاقاً من هذه الحقائق، يبرز تساؤل جوهري حول تمسك العرب بمصطلح "السامية" رغم امتلاكهم لكلمة "العروبة" الجامعة والصادقة دلالياً. لقد فطن علماء أجلاء قديماً لهذا التشابه، كالنضر بن زياد الذي وصف الكنعانية بأنها "تضارع العربية"، ولكن غياب الحفريات آنذاك حال دون توسعهم. إن "العروبة" ليست مجرد عرق، بل هي حقيقة تاريخية تدل على موطن مشترك ولغة أم تفرعت منها لغات شقيقة، احتفظت العربية بمركز الصدارة بينها لنموها في قلب الجزيرة بعيداً عن الاختلاط المفسد للأصالة.

إن الدعوة اليوم تتجه بوضوح نحو تجاهل مصطلح "السامية" وإحلال كلمات "العروبة" و"العروبية" محلها في المحافل العلمية والثقافية. ورغم صعوبة ترويج مصطلحات بديلة لما استقر في الأذهان، إلا أن الأمل يظل معقوداً على وعي الأجيال بالحقائق التاريخية التي كشفتها الحفريات وعلوم اللغة. إن العودة إلى مصطلح "اللغات العروبية" هو انتصار للحقيقة العلمية وتصحيح لمسار تاريخي تم اختطافه لصالح أساطير "إسرائيلية" لا تصمد أمام البحث الرصين.

 

الخاتمة

في الختام، يتضح أن مصطلح "السامية" لم يكن إلا وليد لحظة تاريخية اتسمت بنقص المعلومات وتأثرت بالنزعات الدينية والسياسية، بينما تقف "العروبية" كبديل علمي متين يستند إلى وحدة الموطن والجغرافيا والنسيج اللغوي الواحد. إن لغتنا العربية التي نعتز بها اليوم ليست مجرد لغة قومية، بل هي الوريثة الشرعية لأصالة لغوية ممتدة عبر آلاف السنين، وحمايتها تبدأ بتصحيح المصطلحات التي تحاول تذويب هويتها أو إلحاقها بأصول غريبة عنها.

 

 التوصيات

أكاديمياً: ضرورة تبني مصطلح "الأسرة العروبية" في المناهج الجامعية وأقسام اللسانيات بدلاً من "السامية".

بحثياً: تشجيع الدراسات المقارنة التي تربط بين العربية واللغات القديمة (كالأكادية والكنعانية) لإثبات وحدة الأصل اللغوي.

ثقافياً: رفع الوعي العام بأن مصطلح "السامية" في الغرب هو مصطلح مسيس يُستخدم لحصر الحقوق التاريخية في فئة واحدة.

مؤسساتياً: مطالبة مجامع اللغة العربية بإصدار قرارات رسمية تتبنى المصطلحات المقترحة في هذا المقال لتعميمها عالمياً.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.95 من 5.
المقالات

1090

متابعهم

661

متابعهم

6689

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.