رواية ظلّ البيت الأخير
في أطراف القرية، حيث ينتهي الطريق المعبد ويبدأ دربٌ ترابيٌّ ضيّق، يقف البيت الأخير كأنه حارسٌ للنسيان. جدرانه متشققة، ونوافذه عيونٌ مطفأة تحدّق في العابرين بلا رمش. لم يكن أحد يقترب منه بعد غروب الشمس، فقد اعتاد الناس أن يقولوا إن الليل هناك ليس ليلًا عاديًا، بل كائنٌ يتنفّس في الظلام.
عاد سامر إلى القرية بعد غياب سنوات، باحثًا عن هدوءٍ يعيد ترتيب فوضى حياته. سمع عن البيت، وضحك من الخرافات التي ينسجها الخوف في عقول البشر. قال لنفسه إن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: بيتٌ مهجور، وأصوات ريحٍ تتسلل عبر الشقوق. لكن الفضول، ذلك الضيف الثقيل، قاده في مساءٍ بارد إلى عتبة الباب الخشبي المتآكل.
دفع الباب فصرخ صريره كأنه يحتجّ على الاقتحام. في الداخل، كان الهواء أثقل مما ينبغي، ورائحة الرطوبة تلتف حول الأنفاس. خطا سامر خطوةً أخرى، فتردّد صدى حذائه في ممرٍّ طويل تتدلّى في نهايته لمبةٌ صفراء واهنة، تومض ثم تخفت، كقلبٍ يحتضر. كلما تقدّم، شعر بأن الجدران تضيق، وبأن الظلال تتكاثر خلفه لا أمامه.
في منتصف الممر، سمع همسة. لم تكن ريحًا، بل صوتًا خافتًا يلفظ اسمه ببطء: "سا… مر…" تجمّد الدم في عروقه. التفت بسرعة، فلم يرَ إلا بابًا نصف مفتوح في أقصى الردهة. اقترب منه، مدفوعًا برغبةٍ في إنهاء الوهم. ما إن لامست يده المقبض حتى انطفأت اللمبة، وغرق البيت في عتمةٍ كاملة.
في الظلام، بدأت الأصوات تتضح. خطواتٌ خفيفة تدور حوله، وأنفاسٌ باردة تلامس عنقه. حاول أن يقنع نفسه أن هذا مجرد خوفٍ يتجسّد، لكن يده لمست شيئًا خلفه—جدارًا لم يكن هناك قبل لحظات. صار الممرّ متاهة، والأبواب تتبدّل أماكنها، والهمسات تتحوّل إلى ضحكاتٍ مكتومة.
تذكّر سامر حكايةً قديمة عن صاحب البيت، رجلٍ عاش وحيدًا حتى اختفى ذات ليلة دون أثر. قالوا إن البيت ابتلعه، وإن من يدخله لا يخرج كما دخل. ضحك سامر من تلك القصة يومًا، أما الآن فكانت تلتف حوله كحبلٍ يشتدّ.
شعر بيدٍ تمسك معصمه. كانت باردة كالماء الراكد. حاول الصراخ، لكن صوته انكسر قبل أن يولد. أمامه، انفتح الباب أخيرًا، لا على غرفة، بل على فراغٍ أسود بلا قاع. في عمق الظلام، تراءت له ملامح وجهٍ باهت، يشبه وجهه حدّ التطابق، بعينين فارغتين كنافذتي البيت.
همس الوجه: "كان البيت ينتظر… آخر ظلّ." في تلك اللحظة، أدرك سامر الحقيقة المتأخرة: البيت لا يسكنه شبح، بل يصنع شبحه من الداخلين إليه. حاول التراجع، لكن الأرض انسحبت من تحت قدميه، وسقط في العتمة.
في الصباح، مرّ أحد الرعاة قرب البيت الأخير. لاحظ أن الباب كان مغلقًا بإحكام، كأنه لم يُفتح منذ سنوات. كل شيء بدا ساكنًا… إلا نافذةً في الطابق العلوي، ظهرت خلف زجاجها عينان جديدتان تحدّقان في الطريق الترابي، تنتظران عابرًا آخر يضحك من الخرافات.
