همسات من خلف الباب الأسود

همسات من خلف الباب الأسود

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about همسات من خلف الباب الأسود

همسات من خلف الباب الأسود

وصل سامح إلى القرية مع غروب الشمس. كانت السماء مغطاة بغيوم رمادية كثيفة، والرياح تعصف بين الأشجار العتيقة المحيطة بالمنزل الذي ورثه عن جده. بدا المنزل أكبر مما تخيله، لكن مظهره المهجور ونوافذه المغبرة جعلاه يشعر بعدم الارتياح منذ اللحظة الأولى.

بينما كان يفرغ أمتعته، لاحظ أن بعض سكان القرية يراقبونه من بعيد. لم يقترب أحد للترحيب به، بل كانوا يكتفون بالنظر إليه ثم يشيحون بوجوههم بسرعة. اعتبر الأمر مجرد فضول تجاه الغريب الجديد.

في الليلة الأولى، استيقظ سامح على صوت خافت يشبه الهمس. جلس على سريره محاولًا تحديد مصدره، لكنه اختفى فجأة. أقنع نفسه أنه مجرد صوت الرياح، وعاد للنوم.

في اليوم التالي بدأ بتنظيف المنزل. وبينما كان يتجول في الطابق السفلي، اكتشف بابًا أسود ضخمًا في نهاية ممر ضيق. كان مختلفًا عن بقية الأبواب، إذ بدا أحدث منها رغم قدم المنزل. حاول فتحه لكنه وجده مقفلًا بإحكام.

على إطار الباب كانت هناك خدوش عميقة وكأن أحدهم حاول اقتحامه يومًا ما. شعر بقشعريرة تسري في جسده، لكنه تجاهل الأمر وصعد إلى الأعلى.

في المساء، ذهب إلى متجر صغير في القرية. وبينما كان يدفع ثمن بعض الحاجيات، سأل العجوز صاحب المتجر عن المنزل.

تجمد الرجل للحظة قبل أن يقول بصوت منخفض:
"أي شيء يحدث هناك... لا تفتح الباب الأسود."

ضحك سامح معتقدًا أنها خرافات قروية، لكن نظرة الرعب في عيني الرجل بقيت عالقة في ذهنه.

مرت الأيام، وبدأت الأصوات تتكرر كل ليلة. لم تعد مجرد همسات غير مفهومة، بل كلمات واضحة.

"ساعدني..."

"أخرجني..."

في البداية ظن أنه يتخيل، لكن الصوت كان يأتي دائمًا من الطابق السفلي.

في إحدى الليالي، حمل مصباحًا يدويًا ونزل بحذر. كلما اقترب من الباب الأسود ازدادت الهمسات قوة. وضع أذنه على الباب، فسمع صوت امرأة تبكي.

"لقد انتظرت طويلًا..."

قفز للخلف مذعورًا.

عاد إلى غرفته لكنه لم يستطع النوم. وفي صباح اليوم التالي، بدأ يبحث في أوراق جده القديمة. وبعد ساعات من التفتيش وجد دفترًا مهترئًا مخبأ داخل خزانة قديمة.

قرأ الصفحات بلهفة، ليكتشف أن جده كان يكتب عن شيء يسكن خلف الباب.

جاء في إحدى الصفحات:

"لا تصدق الأصوات. إنها تعرف كيف تقلد البشر. إذا فُتح الباب مرة أخرى فلن يستطيع أحد إغلاقه."

شعر سامح بالخوف، لكنه أصبح أكثر فضولًا من أي وقت مضى.

في الليلة التالية، انقطعت الكهرباء عن المنزل فجأة. عمّ الظلام كل شيء، ثم سمع طرقًا عنيفًا على الباب الأسود.

دق... دق... دق...

وكأن شيئًا ضخمًا يحاول الخروج.

أمسك سامح المصباح ونزل مرتجفًا. عندما وصل إلى الباب، لاحظ أن القفل القديم بدأ يتشقق.

ثم سمع صوتًا مألوفًا.

كان صوت والدته المتوفاة.

"سامح... افتح الباب يا بني."

تجمد في مكانه.

كان يعرف أن والدته ماتت منذ سنوات، ومع ذلك بدا الصوت حقيقيًا تمامًا.

بدأت الدموع تتجمع في عينيه.

"أرجوك... أنا خائفة."

اقترب من القفل دون وعي. كانت يده ترتجف وهو يمدها نحوه.

لكن فجأة تذكر كلمات جده.

"لا تصدق الأصوات."

تراجع بسرعة.

في اللحظة نفسها تحول الصوت الحنون إلى صرخة مرعبة هزت أرجاء المنزل.

ثم بدأ شيء ما يضرب الباب من الداخل بعنف شديد.

تشققت الجدران، وسقط الغبار من السقف.

ركض سامح نحو غرفة المكتب وأخذ المفتاح القديم الذي وجده مع مذكرات جده. كانت هناك ملاحظة أخيرة تقول:

"إذا استيقظ، أعد ختم الباب."

عاد إلى القبو وسط الأصوات المرعبة. كانت الهمسات الآن تتحول إلى ضحكات مشوهة.

أدخل المفتاح في ثقب صغير أسفل القفل وأداره.

فجأة انطلقت موجة من الهواء البارد، واهتز المنزل بأكمله.

استمرت الضربات لعدة ثوانٍ ثم توقفت.

حل صمت مطبق.

نظر سامح إلى الباب فوجد أن الخدوش القديمة اختفت، وكأن شيئًا لم يحدث.

في الصباح، قرر مغادرة القرية نهائيًا.

وأثناء تحميل أمتعته في السيارة، اقترب منه أحد الشيوخ وقال:

"هل سمعت الهمسات؟"

أومأ سامح بصمت.

تنهد الشيخ وقال:
"إذن أنت محظوظ... لأن الباب لم يُفتح."

سأله سامح:
"وما الذي يوجد خلفه؟"

ابتسم الشيخ ابتسامة باهتة وأجاب:
"لا أحد يعلم... لأن كل من فتحه اختفى."

انطلق سامح بسيارته مبتعدًا عن القرية، وهو يعتقد أن الكابوس انتهى.

لكن عندما توقف في محطة وقود بعد ساعات، سمع همسة خافتة قادمة من المقعد الخلفي:

"هذه المرة... لم أغادر وحدي."

تجمد الدم في عروقه.

وببطء شديد، التفت لينظر خلفه...

لكن القصة الحقيقية بدأت عند تلك اللحظة

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Retaj 3weda تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

5

متابعهم

5

مقالات مشابة
-