الضيف الذي لم تدعوه ( لغز الزائر المبلل )

الضيف الذي لم تدعوه ( لغز الزائر المبلل )

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about الضيف الذي لم تدعوه ( لغز الزائر المبلل )

 

ا وراء العباءة السوداء: لغز "الزائر المبلل" وانكسار حاجز الزمن

​في القرى القابعة تحت ظلال الجبال الشاهقة، حيث تلتف البيوت الطينية حول بعضها كأنها تحتمي من سرٍّ دفين، تولد حكايات تتجاوز حدود العقل. ليست مجرد أساطير تُحكى لتمضية الوقت، بل هي وقائع نُقشت في ذاكرة الجدران واختلطت بتراب "المجالس". ومن بين تلك القصص، تبرز واقعة "الزائر المبلل"، الحادثة التي قلبت موازين المنطق وأدخلت الرعب الصامت إلى قلب أكثر البيوت وقاراً في تلك الناحية.

​ليلة الانحباس: حين يعوي الريح باسمك

​بدأت القصة في ليلة شتوية لم تشهد القرية مثيلاً لها؛ ليلة انحبس فيها ضوء القمر خلف سحب سوداء كثيفة، وهبت ريحٌ صرصر عاتية لم يكن صوتها مجرد صفير، بل كان يشبه "نحيباً" جماعياً يأتي من الوادي السحيق. في مجلس جدي، حيث يجتمع كبار القوم وشبابهم، كان وهج النار في "الوجار" هو المصدر الوحيد للدفء والأمان.

​فجأة، سكنت الريح تماماً. سكونٌ مفاجئ ومرعب، كأن الطبيعة قد حبست أنفاسها. وفي هذا الصمت القاتل، سُمعت "طرقة" واحدة على الباب الخشبي العتيق. لم تكن طرقة آدمية يرتجى منها الإذن، بل كانت ضربة ثقيلة، جافة، وكأن جثة هامدة قد ارتطمت بالخشب.

​تجسد العدم: العباءة التي تتنفس

​عندما فُتح الباب، لم يكن هناك طارق في المدى المنظور، لكن الهواء البارد الذي دخل المجلس كان يحمل رائحة غريبة ومقبضة؛ رائحة "طمي البحر" الممزوج بمسك الجنائز. وعلى العتبة، وُجدت عباءة (بشت) سوداء فاخرة، منسوجة من قماش لا يشبه أقمشة أهل الأرض، تلمع تحت ضوء الفانوس الشاحب وكأنها مغطاة بزيتٍ أسود.

​ما إن حُملت العباءة ووُضعت جانباً، حتى بدأت الظواهر المريبة تتوالى بصمتٍ يمزق الأعصاب:

  1. الحضور الخفي: بدأت العباءة المعلقة على "المشجب" تتخذ شكل جسدٍ غير مرئي، وبدأ القماش يرتفع وينخفض بانتظام، كأن هناك صدراً بشرياً يتنفس تحتها ببطء شديد وبصوتٍ مسموع (فحيح) يتردد في أركان الغرفة.
  2. غليان بلا نار: في تلك اللحظة، بدأت دلال القهوة الموضوعة بعيداً عن الجمر تغلي بعنف، حتى فاض السائل الأسود على السجاد، مشكلاً بقعاً بدأت تتحرك وكأنها كائنات حية ترسم دوائر غامضة حول الحاضرين.
  3. الوجوه الممسوحة: التفت الجميع نحو صدر المجلس، ليجدوا ظلاً طويلاً قد تشكل خلف العباءة. لم يكن للظل ملامح، بل كان عبارة عن "سواد" يمتص الضوء من حوله، وحيثما ينبغي أن يكون الوجه، كانت هناك مرآة معتمة تعكس وجوه الحاضرين، لكنها لم تكن وجوههم الحقيقية، بل كانت تظهرهم كجثثٍ هامدة، عيونها مغمضة وشفاؤها زرقاء.

​انكسار الزمن والرسالة الدموية

​عندما حاول أحدهم النهوض ليقرأ القرآن، وجد أن قدميه ملتصقتان بالأرض، وكأن الجاذبية قد تضاعفت في تلك البقعة. في هذه اللحظة، توقفت الساعة الخشبية الكبيرة المعلقة على الجدار، ليس فقط عن العمل، بل إن عقاربها بدأت تدور "للخلف" بسرعة جنونية، وكأن الزمان يُسحب من الغرفة.

​ببطءٍ مرعب، امتدت يدٌ شاحبة، نحيلة، ذات أظافر طويلة من تحت أكمام العباءة، وبدأت تكتب على الجدار الطيني. لم يكن الحبر دماً، بل كان سائلًا أسود يغلي، كتب عبارة واحدة جمدت الدماء في العروق:

"جئتُ لأستعيد ما استودعتموه في الوادي.. الموعد قد حان."


 

​رافق هذه الكتابة همسٌ جماعي بدا وكأنه يأتي من تحت أرجل الحاضرين، أصوات آلاف الأرواح تنادي بكلمة واحدة: "العهد.. العهد".

​التلاشي والندوب الباقية

​بصوتٍ هز كيان الدار، كبر جدي ورفع صوته بالأذان، وفي تلك اللحظة، انفجر الفانوس وتطايرت شظاياه، وساد ظلام دامس لم يقطعه سوى برقٍ خاطف أضاء الغرفة لثانية واحدة. في تلك الثانية، رأى الجميع المجلس "خالياً" تماماً من البشر، وكأنهم هم أنفسهم قد أصبحوا أشباحاً، قبل أن يعود كل شيء إلى طبيعته فجأة.

​تلاشى الكيان، لكنه ترك خلفه أثراً لا يُمحى:

  • العباءة السوداء اختفت، لكن مكانها على الجدار ظل مبللاً بماء مالح لا يجف أبداً، مهما سُلطت عليه النار.
  • الساعة ظلت عقاربها تشير إلى "الثالثة فجراً"، وهي اللحظة التي توقفت فيها الحياة في المجلس، ومنذ ذلك اليوم، كل من يمر بجانب الغرفة يسمع صوت "تكتكة" خافتة تأتي من خلف الجدار، رغم عدم وجود ساعة هناك.
  • الرائحة ظلت رائحة السدر (المرتبط بغسل الموتى) عالقة في ثياب كل من حضر تلك الليلة، ولم تذهب حتى بعد غسلها مراراً.

​خاتمة: حدود ما نعلم

​تظل حادثة "الزائر المبلل" تذكيراً صارخاً بأننا لسنا وحدنا في هذا الكون، وأن هناك عهوداً قديمة قد تُفتح ملفاتها في أكثر الليالي هدوءاً. إن احترامنا للمجهول ليس خوفاً من "الجن" أو "الأرواح" فحسب، بل هو اعتراف بضآلة علمنا أمام ملكوت الخالق.

​لقد أُغلق ذلك المجلس للأبد، وبني جدي جداراً من الطوب أمام بابه، ليس خوفاً على المتاع، بل خوفاً من أن يفتح أحدهم الباب مرة أخرى.. فيدخل ضيفٌ لا يستطيع أحدٌ إخراجه

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Gamal تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-