همسات تحت أرض بورسعيد

همسات تحت أرض بورسعيد

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about همسات تحت أرض بورسعيد

همسات تحت أرض بورسعيد☠️🙀

لم أكن أؤمن بالخرافات يومًا. كنت دائمًا أضحك حين تحكي لي جدتي عن “الأصوات” التي تسكن البيوت القديمة، أو عن “النداء” الذي لا يجب الرد عليه مهما حدث. كنت أظن أن الأمر مجرد حكايات لتخويف الأطفال.

لكن في الليلة التي دُفنت فيها جدتي، بدأت أسمع الهمسات.

كان بيتنا في حي قديم من أحياء بورسعيد، منزلًا عتيقًا بجدران سميكة ونوافذ خشبية تصدر صريرًا مع كل نسمة هواء. بعد الوفاة، بقيت وحدي في البيت لأرتب أغراضها. أمي سافرت، وأبي يعمل ليلًا، ولم أرد أن أترك المنزل فارغًا.

في أول ليلة، استيقظت عند الثالثة فجراً على صوت خافت. ظننته في البداية صوت الرياح، لكن الصوت كان أوضح… أقرب. كان كأن أحدهم يهمس باسمي.

“دعاء…”

جلست في سريري وقلبي يخبط بقوة. أرهفت السمع.

صمت.

حاولت إقناع نفسي أنني أتخيل. عدت للنوم، لكن الهمسة تكررت.

“دعاء… تحت…”

تحت؟

نظرت إلى أرضية الغرفة. كانت بلاطًا قديمًا، لا شيء مميز فيه. تجاهلت الأمر حتى الصباح، لكن القلق استقر في صدري كحجر ثقيل.

في اليوم التالي، بينما كنت أرتب غرفة جدتي، لاحظت شيئًا غريبًا. السجادة الكبيرة في منتصف الغرفة لم تكن في مكانها المعتاد. رفعتها، فوجدت حلقة حديدية صغيرة مثبتة في أحد البلاطات.

انقبض قلبي.

سحبت الحلقة بقوة، فانفتح جزء من الأرضية ليكشف عن باب حديدي قديم، صدئ، عليه نقوش غير مفهومة.

تذكرت فورًا تحذيرات جدتي:

“إياكِ تفتحي اللي تحت… اللي تحت مش لينا.”

ضحكت يومها من كلامها. أما الآن، فلم أستطع الضحك.

تراجعت خطوة، لكن فضولي كان أقوى من خوفي. ظللت أحدق في الباب دقائق طويلة، ثم أغلقت الغرفة وقررت تجاهله.

في تلك الليلة، عادت الهمسات.

لكن هذه المرة لم تكن همسة واحدة.

كانت عدة أصوات… رجالًا ونساءً… يرددون اسمي بتناغم مرعب.

“دعاء… افتحي… إحنا مستنيينك…”

غطيت أذنيّ، لكن الصوت لم يكن يأتي من الخارج. كان داخل رأسي. شعرت بصداع حاد، ثم رأيت في الحلم جدتي واقفة أمام الباب الحديدي.

وجهها كان شاحبًا، وعيناها سوداوين تمامًا.

قالت بصوت ليس صوتها:

“ليه سبتيني لوحدي؟”

استيقظت أصرخ.

لم أتحمل أكثر. في صباح اليوم التالي، عدت إلى الغرفة، أغلقت الباب خلفي، ورفعت السجادة.

فتحت الباب الحديدي.

اندفعت رائحة عفن خانقة. كان هناك سلم ضيق ينزل إلى ظلام دامس. أضأت كشاف هاتفي وبدأت النزول.

كل درجة كنت أنزلها كانت تشعرني أنني أبتعد عن العالم الذي أعرفه.

وصلت إلى قبو صغير، جدرانه مغطاة برموز غريبة مرسومة بدم جاف. في المنتصف دائرة كبيرة، بداخلها بقايا شموع سوداء.

وفجأة… أُغلق الباب فوقي بعنف.

صرخت وصعدت مسرعة، لكن الباب لم يتحرك.

بدأت الهمسات من جديد، هذه المرة من حولي، من الجدران نفسها.

“رجعتي… أخيرًا رجعتي…”

التفتُّ حولي بذعر. لم يكن هناك أحد. لكن الظلال بدأت تتحرك، تتمدد على الجدران كأنها كائنات حية.

شعرت بشيء بارد يلمس قدمي.

نظرت للأسفل.

يد.

يد سوداء نحيلة خرجت من الأرض وأمسكت بكاحلي.

صرخت بكل قوتي وركلتها، لكنها لم تختفِ. بل خرجت يد أخرى… ثم أخرى… حتى امتلأت الأرض بأيدٍ تحاول جذبي إلى الأسفل.

ركضت نحو الجدار، لكن الرموز بدأت تتوهج بلون أحمر قانٍ.

وفجأة، سمعت صوت جدتي بوضوح، ليس همسًا، بل صراخًا:

“اهربي يا دعاء! هم مش عايزين غيرك!”

توقفت الأيدي فجأة.

ظهر أمامي ظل طويل، أطول من أي إنسان، بلا ملامح. مجرد فراغ أسود له عينان متوهجتان.

قال بصوت عميق يهز القبو:

“دمك هو المفتاح… زيها.”

فهمت حينها.

جدتي لم تكن مجنونة.

كانت تحرس شيئًا.

وكان دوري قد حان.

بدأ الظل يقترب، وكل خطوة منه كانت تجعل الهواء أثقل. شعرت أنني أختنق. تذكرت فجأة سلسلة كانت جدتي تعطيني إياها دائمًا وتقول: “دي حمايتك.”

كانت في عنقي.

أمسكت بها بقوة، وهمست: “لو في أي قوة خير… ساعديني.”

اشتعلت السلسلة بحرارة مفاجئة، وسمعت صرخة حادة هزت المكان. تراجع الظل، وبدأت الجدران تتشقق.

انفتح الباب الحديدي فوقي فجأة.

ركضت بكل ما لدي من قوة، صعدت الدرج، وخرجت إلى الغرفة. أغلقت الباب وأسقطت السجادة فوقه، وأنا ألهث.

لكن قبل أن أبتعد، سمعت طرقًا خفيفًا من تحت الأرض.

ثلاث طرقات بطيئة.

ثم صوتًا أخيرًا…

“إحنا لسه هنا…”

مرت أيام، ولم أعد أسمع شيئًا. ظننت أن الأمر انتهى.

حتى الليلة الماضية.

كنت أنظر في المرآة، فرأيت خلفي للحظة ظلًا يقف في زاوية الغرفة.

التفتُّ بسرعة.

لا شيء.

عدت لأنظر في المرآة.

فوجدت جدتي واقفة خلفي.

ابتسمت.

ثم همست:

“الدور الجاي عليكِ تحرسي الباب.”

اختفت.

ومنذ تلك اللحظة، لم أعد أسمع الهمسات…

لكنني أشعر بها.

أشعر بشيء تحت البيت… ينتظر.

وأعرف أنني يومًا ما، سأضطر لفتح الباب مرة أخرى.

لكن في المرة القادمة…

لن أكون وحدي.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Dina mostafa صحفي تقييم 5 من 5.
المقالات

11

متابعهم

6

متابعهم

61

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.