صدى الصدأ: السر المدفون في بئر المسامير
المشهد الأول: ذكريات "حوش" القصبة
في تلك الزاوية المنسية من حوش العائلة العتيق بقلب القصبة، حيث تتقاطع روائح البخور القديم برطوبة الجدران التي تعود لقرون، كان يقبع هناك سر العائلة الأكبر. خلف أبواب "الدويرة" الخشبية المتآكلة التي لم تجرؤ يد على فتحها منذ عقود، كان يقبع بئر غريب الأطوار. لم يكن بئراً يمنح الحياة أو يفيض بالماء العذب، بل كان بئراً يمنح الخوف الخالص لكل من اقترب منه. كان جدي، برهبته المعهودة وصوته الأجش، يطلق عليه اسم "بئر المسامير". كان يحذرنا دائماً بلغة حازمة: "إياكم وصوت المعدن، فالبئر لا يشبع من الحديد.. ولا من الفضول". كنا أطفالاً نلعب في الحوش، لكننا حين نمر بجانب تلك الغرفة، تنقبض صدورنا. لم نكن نجرؤ حتى على لمس اللوح الخشبي المهترئ الذي يغطي فوهته، ذلك اللوح الذي ثُبّت بمسامير ضخمة، غليظة، وصدئة بشكل مريب، وكأنها لم تكن هناك لتغلق فتحة في الأرض، بل كانت بمثابة "أقفال" محكمة لسجن أبدي يضم شيئاً لا ينبغي له أن يخرج أبداً.
المشهد الثاني: ليلة الانكسار
مرت السنوات، وكبر الفضول بداخلنا حتى أصبح وحشاً يطالب بالإجابات. قبل سنوات قليلة، وفي ليلة شتوية غاب فيها القمر تماماً واختنقت النجوم خلف سحب سوداء، قرر "عمار" – ابن عمي الذي كان يرى في الخوف مجرد تحدٍ صبياني – أن يضع حداً لهذا الغموض. ببرودة أعصاب مرعبة، وقف عمار أمام البئر حاملاً آلة حديدية ثقيلة. بدأ يقتلع المسامير واحداً تلو الآخر. كان لكل مسمار يُنتزع من الخشب صوت "صرخة معدنية" حادة تمزق سكون القصبة، صرخة كانت ترتج لها جدران البيت وكأننا نقتلع أسنان وحش كاسر كان نائماً لعصور. ومع كل مسمار يسقط، كان الجو يزداد ثقلاً. وعندما سقط اللوح الخشبي الأخير، توقعنا رائحة العفن أو الرطوبة، لكن ما خرج كان "صمتاً" ثقيلاً بشكل غير مادي، صمت تشعر به يلمس رقبتك من الخلف ببرودة الموت، ويجمد الدماء في عروقك.
المشهد الثالث:بأيدٍ ترتجف، سلطنا ضوء المصباح الضعيف نحو القاع السحيق. صُدمنا بما رأينا؛ لم يكن هناك أثر لقطرة ماء واحدة. بدلاً من ذلك، كانت جدران البئر مغطاة بالكامل، من الحافة وحتى أعمق نقطة، بآلاف المسامير الصدئة المغروسة بشكل عشوائي وهستيري، وكأن جدران البئر "قلب حديدي" ضخم ينبض بالألم والغل. وفجأة، بدون سابق إنذار، انطفأ المصباح وتلاشى الضوء. في ذلك الظلام الدامس الذي لا يرى فيه المرء كفه، سمعنا الصوت الذي غير حياتنا للأبد. لم يكن صوتاً بشرياً، بل كان صوت "حك" معدن على معدن، صرير مقزز لشيء ما يتسلق تلك المسامير من الأسفل.. بسرعة جنونية تقترب منا. في تلك اللحظة، همس عمار بصوت مبحوح لا يكاد يُسمع من شدة الرعب: "شهاب.. هناك أحد ينادي اسمي من الأسفل.. وبنفس صوتي تماماً!". نظرنا إليه تحت ضوء القمر الشاحب الذي تسلل من ثقوب السقف، ورأينا الكابوس حقيقة؛ كانت ملامح عمار تتغير، بدأت بقع بنية تشبه قشور الصدأ تظهر على جلده وتنتشر، وعيناه فقدتا بريقهما البشري لتتحولا إلى لون الحديد المحروق الجامد.
الخاتمة الفخ:
هربنا جميعاً، نركض في أزقة القصبة الضيقة وكأن الموت يلاحقنا، لكن عمار الذي عاد معنا تلك الليلة لم يعد "عمار" الذي نعرفه أبداً. أصبح صوته جافاً كاحتكاك الحجر، وحركاته أصبحت ثقيلة وميكانيكية كالمعدن القديم. عزيزي القارئ: قبل أن تغلق هاتفك وتستسلم للنوم الليلة، ارفع عينيك ببطء وانظر إلى الجدران المحيطة بك في غرفتك.. هل ترى ذلك المسمار القديم الذي نسيت أمره؟ ذلك الذي يحمل صورة أو معطفاً؟ اقترب منه قليلاً بآذان صاغية.. هل تسمع ذلك "الطنين" المعدني الخفيف المنبعث منه؟ تأكد جيداً من ملمسه.. فربما ذلك المسمار ليس مجرد قطعة حديد في جدارك، بل هو "عين" من عالم البئر، تراقبك بصمت وتنتظر دورك بصبر.. لتكون أنت المسمار القادم في جدار القاع.