الجزء الثاني: انكسار الحجاب ونكث “العهد القديم”

الجزء الثاني: انكسار الحجاب ونكث “العهد القديم”

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about الجزء الثاني: انكسار الحجاب ونكث “العهد القديم”

النكث

في القرى التي تعانق الجبال وتتوسد الوديان السحيقة، لا تُبنى الجدران دائماً لرفع السقوف أو صد الرياح، بل تُبنى أحياناً لتكون "حجاباً" يفصل بين عالمين. جدار "المجلس القديم" لم يكن مجرد طين وحجر، بل كان صك أمانٍ وقعه الأجداد بالصمت والملح. لكن الفضول البشري، ذلك الداء الذي يقتات على الحذر، لا يؤمن بالحدود التي رُسمت بالدم.

عودة النبض المحرم: حين يغلي الصمت بعد أربعين عاماً من الموت السريري خلف ذلك الجدار المسدود، ظن الجيل الجديد أن الحكاية قد تبخرت مع دخان السنين، وأن "الزائر المبلل" ليس سوى خرافة لترهيب الأطفال. لم يدركوا أن "العهد" الذي قطعه الجد لم يكن عقد إيجار عابر، بل كان "قيداً روحياً" يحبس فحيح الوادي خلف أستار الظلام.

حين غاب كبار العائلة، واستبدت النشوة بالشباب، قرر "صالح" ورفاقه كسر "قفل الغيب". ومع أول ضربة معول في الجدار الطيني المتيبس، لم يخرج غبار التراب، بل اندفعت ريحٌ باردة جداً، ريحٌ مسمومة تحمل ملوحة بحارٍ ميتة ورائحة "حنوط" لم تطأها أقدام أهل القرية قط. ومع سقوط اللبنة الأولى، حدث ما جمد الدماء؛ الساعة الخشبية المعلقة بالداخل، والتي فقدت عقاربها منذ عقود، بدأت تصدر "تكتكة" منتظمة ومدوية، لكنها لم تكن تقيس الزمن.. كانت تقيس تناقص نبضات قلوبهم.

تجسد العدم: الضيافة الملعونة دخلوا المجلس ببطارياتهم اليدوية، لكن الضوء كان "يُبتلع" في الفراغ؛ وكأن العتمة هناك لها كثافة مادية. في الزاوية المظلمة، وجدوا "الوليمة الباردة"؛ دلال قهوة يخرج منها بخارٌ أسود، وفناجين مصفوفة بعناية، لكنها لم تكن تحتوي على قهوة، بل على "رملٍ مبلل" يزحف كالدود خارج الفناجين.

فجأة، انغلق الثقب الذي صنعوه في الجدار بقوة زلزلت الأرض. ساد ظلامٌ مطلق، ومن سقف الغرفة بدأت تتدلى خيوطٌ لزجة تشبه "الشعر الطويل"، مبللة بماء البحر البارد، وبدأت تلتف ببطء حول أعناقهم، تمتص صرخاتهم قبل أن تخرج.

من وسط هذا الحطام، برز الكيان الطويل. لم يكن يرتدي العباءة هذه المرة، بل كان "هو" العباءة. مدّ يده الشاحبة، ذات الأصابع النحيلة التي تنتهي بأظافر سوداء حادة، ومسح بها على وجوههم. في تلك اللحظة، انكسر الحجاب الأخير؛ رأى الشباب في "مرآة وجهه" ملامحهم وهي تذبل وتشيخ في ثوانٍ معدودة، رأوا أنفسهم جثثاً هامدة تُسحب نحو الوادي.

صدى "الوديعة" والندوب الأبدية همس الكيان بصوتٍ هو عبارة عن "ذبذبات" حارقة تمزق طبلة الأذن:

“العهدُ كان صمتاً.. والآن أصبح صراخاً. لقد فتحتم الباب لمن لا يخرج، ودعوتم من لا يرحل. الوديعة التي استودعها جدكم في قعر الوادي، سأستردها الآن من نخاع عظامكم.”

عند الفجر، وُجد الشباب مغمىً عليهم عند عتبة البيت. لم يمت أحد جسدياً، لكن "النكث" ترك فيهم ندوباً لا تبرأ. "صالح" فقد بصره، وصار يدعي أنه يرى الكيان جالساً فوق أكتاف الناس في المسجد. أما رفاقه، فقد تحولت بشرتهم إلى اللون الرمادي، وأصبحوا يصدرون في نومهم صوت "تكتكة" الساعة التي توقفت.

أُعيد بناء الجدار بكتل خرسانية مسلحة، لكن الرعب لم يعد محبوساً بالداخل. لقد تسلل مع أنفاسهم، وصار جزءاً من هواء القرية. إن "النكث" ليس مجرد كسرٍ لجدار، بل هو تمزيق لستر الله الذي أضاعه الأحفاد بجهلهم. والآن، في كل ليلة يغيب فيها القمر، يدرك الجميع أن "الضيف" لم يعد بحاجة لطرق الباب.. لقد صار يسكن في المرايا، ينتظر اللحظة التي يكتمل فيها رد الوديعة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Gamal تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-