الجزء الثالث: "ميراث الملح والدم"

“ميراث الملح والدم”
بعد ليلة "النكث"، لم يعد البيت الذي نعرفه ملاذاً، بل صار زنزانة من ذكرياتٍ مسمومة. لم يعد الخوف من "الضيف" الذي يطرق الباب، بل من "الشيء" الذي بدأ ينبت في زوايا الغرف وبين طيات الثياب. كان الستر قد تمزق، وما خرج من وراء الجدار الخرساني لم يكن ليعود بمجرد الندم.
هوس "صالح" والوجوه في الماء
بدأ "صالح" يتصرف بطريقة تقشعر لها الأبدان؛ فرغم فقدانه للبصر، كان يجلس لساعات أمام بئر البيت القديمة، يتحدث مع "انعكاسه" الذي لا يراه. كان يقول بلهجة باردة: “إنه لا يريد الذهب، هو يريد 'المعدن' الذي يجري في عروقنا.. يريد الوديعة.”
رفاقه الذين أصيبوا بـ "الندبة الرمادية" بدأوا يتساقطون واحداً تلو الآخر في غيبوبة غريبة، أجسادهم باردة كالثلج، وقلوبهم تصدر صوتاً خافتاً يشبه "تكتكة" ساعة المجلس المتوقفة. وفي كل ليلة، كانت جلودهم تصبح أكثر شفافية، حتى بدأت تظهر تحتها كتاباتٌ بلغة غير مفهومة، تشبه الحبر الأسود الذي كان يقطر من العباءة.
الصندوق الأسود ورسالة الأجداد
في قبو البيت، وتحت بلاطة مدهونة بالقطران، وجدتُ صندوقاً خشبياً صغيراً ملفوفاً بجلد "ذئب" مملح. كان هذا صندوق الوصايا السرية لعائلتنا. حين فتحته، لم أجد صكوك ملكية، بل وجدتُ خصلة شعرٍ طويلة مبللة بماء مالح، وورقة قديمة كُتب عليها بمداد من دم:
“إذا نُكث العهد، فلا تبحثوا عن النجاة في الهروب، بل ابحثوا عن 'المستودِع' في قعر الوادي. الوديعة ليست ديناً يُقضى، بل هي 'جزءٌ منا' أعرناه للظلام ليعيرنا الأمان.. والآن، الظلام يطالب باسترداد أصله.”
رحلة إلى “وادي الظلال السبعة”
لم يكن هناك مفر؛ قررتُ التوجه إلى الوادي السحيق في ليلة "المحاق"، حيث يختفي القمر تماماً. اصطحبتُ صالحاً الذي كان يقودني وكأنه يرى بعيونٍ غير عيون البشر. وصلنا إلى منطقة في قعر الوادي تُسمى "مجمع الأرواح"، حيث الصخور تتخذ أشكال أجسادٍ بشرية متراصة.
هناك، انبعثت رائحة "السدر" الممزوجة برائحة الموت. وفي قلب الوادي، رأينا "الكيان الطويل" يقف فوق بركة من السائل الأسود اللزج. لم يكن وحده هذه المرة، بل كان يحوطه سبعة ظلالٍ تلبس عباءاتٍ تشبه عباءات أجدادنا الراحلين.
تجلي الرعب: السر المبتور
رفع الكيان يده، وفي راحة يده كانت هناك "عينٌ" حقيقية تنبض، ليست له، بل كانت تشبه عين جدي الأكبر تماماً. وبدأ يهمس بصوتٍ يتردد في عظام جمجمتي:
“الجدُ أعطى 'البصيرة' ليحمي القافلة.. والأحفاد أعطوا 'الفضول' ليحرقوا الدار. الوديعة التي تطلبونها ليست في الصندوق، بل هي في 'الاسم الثالث' الذي سقط من شجرتكم.”
فجأة، انشقت الأرض تحت أقدامنا، وظهر درجٌ صخري ينحدر إلى أعماق لا تدركها الأبصار. رأيتُ صالحاً يتقدم نحو الدرج وهو يضحك ضحكة لم تكن له، ضحكة مليئة بالهوان والذل، وهو يقول: “لقد جاء دوري لأكون أنا.. الوديعة.”
الغموض المستمر: ما وراء السبعة
تلاشى المشهد فجأة بصرخة أيقظت القرية بأكملها. عُدتُ وحدي من الوادي، أما صالح فقد اختفى تماماً، وكأن الأرض ابتلعته. لكن الرعب الحقيقي بدأ حين عدتُ للمجلس القديم؛ وجدته مفتوحاً، والجدار الخرساني محطماً من الداخل إلى الخارج.
على الجدار، نُحتت سبعة أسماء، ستة منها لأجدادي، والاسم السابع كان.. اسمي أنا