لعنة رسبوتين

في ليلة باردة من شتاء غريغوري راسبوتين، كان القمر مختبئًا خلف غيوم كثيفة، وكأن السماء نفسها ترفض أن ترى ما سيحدث. في قرية روسية نائية، كان الناس يتناقلون اسمه همسًا، لا كإنسان… بل كشيء لا يمكن تفسيره.
يقولون إنه لا يموت.

بدأت القصة مع شاب يُدعى “إيفان”، طالب تاريخ مهووس بالأسرار القديمة. لم يكن يؤمن بالخرافات، لكنه كان يؤمن بشيء واحد: أن الحقيقة دائمًا مخبأة خلف أكثر القصص رعبًا.

عندما وجد مذكرات قديمة تتحدث عن راسبوتين، لاحظ شيئًا غريبًا… كل الروايات التي تتحدث عن موته كانت مختلفة. مرة قُتل بالسم، ومرة بالرصاص، ومرة غرق في نهر متجمد… لكن في كل مرة، هناك تفصيلة واحدة مشتركة:
“لم يمت فورًا… بل استمر في الحركة.”
قرر إيفان السفر إلى المكان الذي يُقال إن جثة راسبوتين دُفنت فيه أول مرة. لم يكن المكان مشهورًا أو سياحيًا، بل مهجورًا تمامًا، تحيط به أشجار سوداء كأنها محترقة منذ قرون.
في أول ليلة له هناك، لم يحدث شيء.
في الليلة الثانية، بدأ يسمع أصواتًا.

خطوات… بطيئة… ثقيلة… وكأنها لشخص يمشي وهو مصاب.
خرج من الكوخ الصغير الذي كان يقيم فيه، حاملاً مصباحًا يدويًا. الضوء كان ضعيفًا، بالكاد يكشف بضعة أمتار أمامه. لكنه رأى شيئًا… أثر أقدام في الثلج.
الغريب أنها لم تكن حديثة.
كانت تبدو وكأنها تظهر… وتختفي… كأنها تُطبع أمام عينيه مباشرة.
تتبعها.
كل خطوة كان يأخذها، كان يشعر بأن الهواء يبرد أكثر… وأن الصمت أصبح أثقل.

حتى وصل إلى بئر قديم، نصف مغطى بالجليد.
توقف.
الصوت جاء من الداخل.
همس.
“إيفان…”
تجمد مكانه.
لم يخبر أحدًا باسمه هنا.
اقترب ببطء، ووجه المصباح نحو البئر.
في البداية لم يرَ شيئًا… ثم فجأة…
عينان.

عينان مفتوحتان داخل الظلام.
تراجَع مذعورًا، وسقط على الأرض. الصوت عاد، لكنه هذه المرة أوضح:
“لماذا تبحث عني… وأنا لم أرحل؟”
ركض إيفان عائدًا إلى الكوخ، قلبه يكاد يتوقف. أغلق الباب، وأشعل كل الأنوار. حاول إقناع نفسه أنه يتخيل… أن كل هذا بسبب البرد والعزلة.
لكن عندما نظر إلى يده…
وجدها مغطاة بالدم.
لم يكن دمه.
في الصباح، حاول المغادرة. جمع أمتعته بسرعة، وركب سيارته. لكن الطريق… اختفى.
نفس الطريق الذي جاء منه، لم يعد موجودًا.
بدلًا منه، كانت هناك غابة كثيفة لم يرها من قبل.
عاد إلى الكوخ، مذعورًا. بدأ يقرأ المذكرات مرة أخرى، بتركيز أكبر. وهناك وجد جملة لم ينتبه لها:
“راسبوتين لا يُدفن… بل يختار من يراه.”
بدأ يفهم.
الأمر لم يكن عن اكتشاف تاريخي.
بل عن دعوة.
في تلك الليلة، لم ينتظر الصوت… بل خرج بنفسه.
ذهب مباشرة إلى البئر.
وقف أمامه، وقال بصوت مرتجف:
“ماذا تريد مني؟”
صمت.
ثم…
خرجت يد.
يد شاحبة، طويلة، وكأنها لم تعرف الحياة منذ سنوات.
تلتها الأخرى.
ثم رأس.
وجه مشوه، مغطى بندوب… لكن العينين… نفس العينين التي رآها في الصور القديمة.
كان هو.
غريغوري راسبوتين
خرج ببطء، وكأن جسده لا يزال يتذكر الموت.
قال بصوت منخفض:
“هم حاولوا قتلي… لكنهم لم يفهموا… أن بعض الأرواح لا تُكسر.”
إيفان لم يتحرك.
لم يستطع.
“أنت جئت تبحث عن الحقيقة… والحقيقة لها ثمن.”
اقترب منه.
كل خطوة كان يأخذها، كانت تجعل الأرض تحت قدميه تتجمد.
“اختر… أن تنسى… أو أن ترى.”
إيفان، رغم خوفه، قال:
“أريد أن أعرف.”
ابتسم راسبوتين.
ابتسامة لم تكن بشرية.
فجأة، كل شيء حوله تغير.
لم يعد في الغابة.

كان في قصر… صرخات… رجال يطلقون النار… جسد راسبوتين يسقط… ثم يقف مرة أخرى… يهاجمهم… يسحبونه… يرمونه في الماء…
لكن بدل أن يغرق…
فتح عينيه.
تحت الماء.
ينظر… مباشرة إلى إيفان.
عاد إلى الواقع وهو يصرخ.
كان على الأرض، أمام البئر.
لكن راسبوتين… لم يكن هناك.
ظن أن كل شيء انتهى.
حتى شعر بشيء خلفه.
نَفَس بارد.
صوت قريب جدًا من أذنه:
“الآن… أنت رأيت.”
استدار ببطء.
لا أحد.

لكن انعكاسه في الماء…
لم يكن انعكاسه.
كان وجه راسبوتين.
ومن تلك الليلة…
لم يعد إيفان كما كان.
بدأ يرى ظلالًا في كل مكان.
يسمع همسات باسمه.

وفي كل مرة ينظر إلى المرآة…
يرى نفس العينين.
عينين لا تموتان.
بعد أشهر، اختفى إيفان.
كل ما وجدوه في كوخه… كان دفترًا.
وفي آخر صفحة، جملة واحدة:
“أنا لم أعد أبحث عنه… هو الذي وجدني.”
ومنذ ذلك الحين، ظهرت تقارير جديدة…

عن رجل غريب…
بعينين مظلمتين…
لا يتقدم في العمر…
ويظهر دائمًا… قبل اختفاء أي شخص بأيام.
والاسم الذي يهمس به الناس الآن…
لم يعد فقط “راسبوتين”.
بل…
“الرجل الذي لا يموت… والذي يجعلك مثله.”